ويحمل الورد المستخرج بالمزّة إلى سائر البلاد الجنوبيّة (١) ، كالحجاز وما وراء ذلك ، وكذلك يحمل الورد المزّي إلى الهند وإلى بلاد السّند وإلى الصّين وإلى وراء ذلك ، ويسمّى هناك الزّهر (٢).
وممّا أرّخوه أنه كان لقاضي قضاة الحنفيّة (٣) ولأخيه الحريري قطعة بأرض تسمّى «شور الزّهر» ، طولها ماية وعشر خطوات وعرضها خمس وسبعون خطوة ، أباع منها عشرين قنطارا باثنين وعشرين ألف درهم ، وذلك سنة خمس وستين وستّماية. وهذا لم يسمع بمثله!
(نخبة الدّهر ، ص ١٩٥ ـ ١٩٨)
__________________
(١) كتب ابن فضل الله العمري ـ الذي يرد نصّه أدناه ـ في كتابه الشهير «مسالك الأبصار» : «وإلى وردها وبنفسجها النهاية ، حتى أنه عطّل وردها وما يستخرج من مائه ما كان يذكر من جوري نصيبين. وماء الورد ينقل إلى غالب البلاد».
(٢) كم يؤلمنا هذا الوصف ، فبعد أن كانت دمشق جنّة الدنيا بطبيعتها وآثارها ورونقها ، صارت اليوم كتلا قبيحة من سرطان الإسمنت والأسفلت تنفث السّموم وتعكس الحرارة المحرقة. ورحم الله المزّة القديمة وزهرها وماء وردها ، لم يبق من ذلك كله إلا هذه الصفحات ... وداعا يا دمشق!
(٣) هو قاضي القضاة الحنفيّة شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري المعروف بابن الحريري (٦٥٣ ـ ٧٢٨ ه) ولي قضاء دمشق سنة ٦٩٩ ه. ترجم له ابن كثير في البداية والنهاية ، ١٤ : ١٤٢ ، وابن حجر في الدّرر الكامنة ، ٤ : ٣٩ ، وابن طولون في الثّغر البسّام ، ١٩٣. أما رواية شيخ الرّبوة في عام ٦٦٥ ه فإما أنها صحيحة أثناء طفولة شمس الدين وكون أخيه أكبر منه سنّا ، أو أن تصحيفا وقع في النسخ ، والله أعلم.