أما كتابه الشهير «مفاكهة الخلّان في حوادث الزّمان» فهو أحد أهم وأطرف أصول تاريخ دمشق ، ما بين عصرين ومرحلتين متباينتين : نهاية عهد سلاطين المماليك ، ومطلع حكم بني عثمان ببلاد الشام. وإذا كانت مصر تفخر بمؤرّخها الكبير ابن إياس الحنفي ، فدمشق تباهي بصنوه الشامي ابن طولون!
يرسم الكتاب بجزئيه الاثنين صورة حيّة وطريفة ودقيقة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بدمشق ، فيقدّم للقارئ مشاهد للحياة اليومية للمجتمع الدمشقي آنذاك ، بين حكّامه وعلمائه وأعيانه وعوامه ، وشتّى حوادثه من كبيرة أو صغيرة. كما يتضمّن طائفة من الوقائع والعادات والتعابير الشاميّة التي حفظت لنا بعضها القرون ، بينما اندثر البعض الآخر.
لكن من أشدّ ما يؤسف له أن هذا الكتاب الثمين الذي يغطّي مرحلة جدّ هامة من تاريخ مدينتنا الخالدة ، بين ٨٨٠ ـ ٩٥١ ه قد ضاع منه الجزء الثاني برمّته (وفيه أخبار السنوات ٩٢٧ ـ ٩٥١ ه) ، وهو المعوّل عليه في فهم أحوال دمشق والشام عموما إبّان انضوائهما تحت الحكم الجديد ، بما رافق ذلك من تغييرات جذرية على الصّعيد السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي. لكنّني نشرت منه في العام ٢٠٠٢ نتفا ممزّقة جمعناها من ١٢ مخطوطة معاصرة ، فسدّت فراغا كبيرا حول تاريخ دمشق بمطلع الحكم العثماني في أيام السّلطان سليمان القانوني.
أما الجزء الأول الذي يضمّ أخبار المدينة بأواخر عصر المماليك ، فصدرت منه نشرة رديئة في مصر سنة ١٩٦٢ ـ ١٩٦٤. وفيه يورد ابن طولون ـ وكان شاهد عيان ـ صفة دخول موكب السّلطان قانصوه الغوري دمشق وإقامته بها بين ١٨ ـ ٢٦ جمادى الأولى سنة ٩٢٢ ه ، أي قبل شهرين من مقتله بمرج دابق في ٢٥ رجب. فجاء وصفه للموكب الفخم دقيقا وافيا ، من الممتع مقارنته بما كتبه معاصره مؤرّخ مصر ابن إياس في كتابه الشهير «بدائع الزّهور في وقائع الدّهور».
* * *