وجبلاها متقابلان متلاقيان عليها ، الجبل الغربي بذيله «دفّ الزّعفران» ، والجبل الشرقي رأسه مثل الجنك (١). ولهذا أطنب الشعراء في وصفهما.
وقال الشيخ جمال الدّين محمد بن نباتة في وصفهما :
|
بالجنك من مغنى دمشق حمائم |
|
في دفّ أشجار تشوق بلطفها |
|
فإذا أشار لها الشّجيّ بكأسه |
|
غنّت عليه بجنكها وبدفّها |
وطلع الشيخ شمس الدّين محمد بن الخياط الشهير بضفدع مع ابن خلّكان إلى الرّبوة ، فوجدا غلمانا يعومون ويلعبون في نهر «ثورا» الذي تحت التّخوت المعروف بالمنيقبة (٢) ، فأنشد ضفدع قوله :
|
لربوتنا واد حوى كلّ بهجة |
|
فعيش الورى يحلو لديه ويعذب |
|
ترقّ لنا الأنهار من تحت جنكه |
|
فلا عجب أنا نخوض ونلعب |
__________________
(١) الكلمة فارسية : چنك ، تعني نوعا من آلات الموسيقى أشبه بالقيثارة ، ولشبه رأس الجبل بها سمّي بهذا الاسم ، لكنه انقرض من بين ألسنة العامّة منذ عهد طويل.
(٢) يقدّم لنا البدري هنا فائدة هامّة في الطبوغرافيا التاريخية لمدينة دمشق ، فاسم المنيقبة المذكور كان يشكّل لغزا استغلق على الحلّ مدّة طويلة. فقد ذكر المؤرخ الدمشقي يوسف بن عبد الهادي في أواخر القرن التاسع الهجري برسالته «غدق الأفكار في ذكر الأنهار» : نهر ثورا .. مقسمه من الرّبوة ... يهبط في نقب يقال له [...]. ولقد سقط من المخطوطة اسم النّقب بسبب تآكل أطراف الأوراق ، فبقي اسمه مجهولا. وكنت أمضيت في التفتيش عن اسمه طويلا ، إلى أن أسعفني به البدري أخيرا. وكان الرّحالة الكبير ابن بطوطة الطّنجي قد وصف النّقب في رحلتيه لدمشق كما مرّ أدناه بكتابنا هذا ، عامي ٧٢٦ ه و ٧٤٩ ه ، ولكن دون أن يسمّيه : وهو يشقّ تحت الرّبوة ، وقد نحت له مجرى في الحجر الصّلد كالغار الكبير. كما عثرت أيضا على ذكر للمنيقبة في أواسط القرن التاسع الهجري ، كما تقدّم أدناه في كتاب «خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لابن الوردي ، ص ١٨١ ـ ١٨٢ ؛ وكذلك في النصف الأول من القرن العاشر الهجري في كتاب «مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان» لابن طولون الصالحي (١ : ٣٢٠) حيث يذكر : قطع ماء نهر المنيقبة. ويفهم من كلامه أن اسم المنيقبة كان يطلق في عصره على مجرى نهر ثورا بعد أن يهبط من النّقب المذكور. وهو فائض ماء ثورا يضمّ لبردى.
هذا ، ولا زال النّقب المذكور ماثلا في أيامنا ، على المنكب الأيمن لصخرة المنشار بالرّبوة (الشهيرة اليوم بصخرة أذكريني) ، وتحته «حالول الطاقة».