قلعة دمشق
ومن محاسن الشام قلعتها وحسن بنائها واتّساعها فانها قدر مدينة. وبها ضريح السيّد الجليل أبي الدّرداء رضياللهعنه. وبها جامع وخطبة كالمدينة فإنها بفرد خطبة لا غير ، وخارج المدينة الخطب الكثيرة ، يعسر الآن علينا تعدادها.
وبها حمّام وطاحون وبعض حوانيت لبيع البضائع. وبها دار الضّرب التي تضرب فيها النقود. وبها الدّور والحواصل ، وبها الطّارمة (١) التي ليس على وجه الأرض أحسن منها ، كأنها أفرغت بقالب من شمع ينظر الرائي أعلاها فيحسن نظره وإن طال مرآه.
وهي تسامت رؤوس الجبال. يقال إن تمرلنك لمّا أن حاصرها وعجز عنها أمر أن ينقب تحتها وتقطع الأشجار وتعلّق بها ، حتى إذا انتهى تعليقها أطلق النار فيما تحتها من الأخشاب وظن أنها تفسخ بذلك وتسقط شذر مذر فيبلغ مراده من أخذ القلعة. فلمّا عمّت النار فيما تحتها بركت بصوت أزعج الوجود كما يبرك الأسد ، فمن ثمّ سمّوها بالأسد البارك ، وهى الآن على الثّلثين من علوّها.
وبالقلعة آبار ومجار للماء ومصارف ، بحيث إذا وقع الحصار وقطع عنهم الماء تقوم الآبار مقامه. وبها يمرّ نهر «بانياس» وينقسم فيها قسمين ، يستمر أحدهما على حاله طاهرا للمنافع والاستعمال ، والآخر تنسحب عليه الأوساخ والقاذورات ، وهو المسمى بقليط ، يمرّ تحت الأرض بنحو من قامتين لتشعّب الماء الطاهر فوقه يمينا وشمالا ، حتى في بعض الأراضي يبلغ سبعة مجار من الماء العذب ليس لأحدها اختلاط بالآخر.
ومصارفهم تسقط على نهر قليط ، ويمرّ في المدينة إلى أن يخرج من الباب الصغير ، ويتصل بمحلّة «المزّاز» فيضمحلّ فيما يليها من الأراضي التي تزرع الكرسنّة والفصّة والبيقية والقنّب وما أشبه ذلك. وغالب ما يسقى به القنّب ،
__________________
(١) الطارمة : بناء للسّلطان كان ملحقا بخارج القلعة ، وهو قاعة خشبية أنيقة ذات شبابيك تعلوها قبّة من الخشب. وفي لهجة دمشق كانت منها بقية : الطّرمة ، غرفة علوية.