لكن ممّا يؤسف له أن كتاب صاحبنا ابن اللّبودي المرتب على السّنين مفقود ، لم يصلنا منه سوى قطعة من أوّله تضمّ حوادث ست سنوات ٨٣٤ ـ ٨٣٩ ه ، وهي اليوم في مكتبة المتحف البريطاني The British Library ، وليس عليها اسم المؤلّف. وقد قام بنشر هذه القطعة حسن حبشي بعنوان : «حوليّات دمشقيّة» لمؤرّخ شامي مجهول ، وصدرت بالقاهرة عام ١٩٦٨. لكن حبشي عجز عن تحديد صاحبها ، الأمر الذي تمكّن من تحديده فيما بعد أستاذنا الكبير صلاح الدّين المنجّد.
وفي القطعة المذكورة يرد ذكر رحلة السّلطان الأشرف پرسباي إلى دمشق وموكبه الفخم بها ، في شهر شعبان من عام ٨٣٦ ه ، وبالطبع لا يمكن لنا أن نعدّ ابن اللّبودي المصدر الأول عنها ، لأنه لم يدركها أصلا فكان عمره عامان ، ولسنا ندري مصدره فيها ، بل نعجب من قول السّخاوي أنه نقل عن التّقي ابن قاضي شهبة ، الذي ينتهي بتاريخه المشهور إلى سنة ثمان وثمانمائة!
أهم من أرّخ للزّيارة كان مؤرّخ مصر الكبير يوسف ابن تغري بردي الأتابكي في كتابه «النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ، وكان من أفراد ركب السّلطان في رحلته من مصر إلى آمد (ديار بكر) ، وعمره ٢٤ عاما. لذا فقد نقلنا نصّه أدناه أيضا ، لكننا لم نقدّمه لسببين : أولهما أن صاحبنا ابن اللّبودي دمشقي ، وكتابنا يختص بتاريخ دمشق. وثانيهما لأن ابن تغري بردي سبق وروده في رحلات كتابنا ، بتأريخه لحملة أبيه الأتابك تغري بردي الظاهري إبّان غزو المغول للشام ، ثم في تجريدة النّاصر السّابعة للشّام ، ورحلة الملك المؤيّد شيخ إليها.
كذلك ينبغي الإشارة إلى أن للمؤرّخ الدمشقي عبد القادر النّعيمي (توفي عام ٩٢٧ ه) تأريخا للواقعة ، على ما ذكره تلميذه ابن طولون الصّالحي في كتابه «مفاكهة الخلّان في حوادث الزّمان» : «وفي يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى منها [سنة ٩٢٢ ه] ، بعث الأمير علاء الدّين بن طالوا نقيب الجيش إلى شيخنا المحيوي النّعيمي ، أن يكتب له صفة دخول الأشرف پرسباي إلى دمشق ، ومن حمل الغاشية على رأسه ، وأين نزل. فكتب له ما تيسّر له».