وأمّا الملك النّاصر ، فإنّه لمّا تسلطن الخليفة وخلع هو من الملك نفر النّاس عنه ، وصاروا حزبين : حزبا يرى أن مخالفة الخليفة كفر ، والنّاصر قد عزل من الملك ، فمن قاتل معه فقد عصى الله ورسوله. وحزبا يرى أن القتال مع الملك النّاصر واجب ، وأنه باق على سلطنته ، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن طاعته (١).
ومن حينئذ أخذ أمر النّاصر في إدبار ، إلى أن قتل في ليلة السبت سادس عشر صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة بالبرج من قلعة دمشق ، بعدما حوصر أياما ، كما سيأتي ذكره مفصّلا في ترجمة المستعين بالله (٢) ، إلى أن حبس بقلعة دمشق.
* * *
وخبره : أنه لمّا حبس بقلعة دمشق ـ بعد أمور يأتي ذكرها في سلطنة المستعين ، وأقام محبوسا بالبرج إلى ليلة السبت سادس عشر صفر المذكور ـ دخل عليه ثلاثة نفر [هم] الأمير ناصر الدّين محمد بن مبارك شاه الطّازي أخو الخليفة المستعين بالله لأمّه ، وآخر من ثقات الشيخ ، وآخر من أصحاب نوروز ، ومعهم رجلان من المشاعليّة (٣).
__________________
(١) أحيانا يلجأ بعض أهل السياسة (في تاريخ الشعوب كافة) إلى استخدام الدّين ذريعة للوصول إلى مآربهم ، وغالبا ما ينطلي مثل ذلك على العوام. وإن شئنا نعدّد أمثلة ذلك لضاق بنا المقام وخرجنا عن القصد!
(٢) حول بقيّة حوادث الصرّاع بين النّاصر وجماعة أمراء دمشق بقيادة شيخ ونوروز ، يذكر ابن تغري بردي التفاصيل لاحقا في ترجمة الخليفة العبّاسي المستعين بالله ، ١٣ : ١٨٩.
ومفادها أن النّاصر بعدما تخلّى عنه أعوانه حصر بقلعة دمشق ، فأذعن إلى الصّلح وتمّ ذلك وأعطي مواثيق الأمان ، ثم خانوه وغدروا بمواثيقهم فحبسوه ببرج من أبراج القلعة كما يذكر المؤلف ، وأخيرا انتقموا منه بقتله وهو في محبسه.
(٣) المشاعلي هو من يتولّى التّشهير بمن يقرّر السّلطان أو النّائب تشهيره حيّا أو مقتولا ، كما يتولّى في العادة تنفيذ القتل فيمن يحكم عليهم بذلك. وتسميته تنسب إلى المشعل الذي يحمله في سيره ليلا. راجع معجم راينهارت دوزي :
Dozy, R. : Supple ? ment aux Dictionnaires Arabes.