ثم إنّ الأمير شيخا أرسل إلى شهاب الدّين الحسباني (١) والباعوني (٢) ، وقاضي القاضي ناصر الدّين بن العديم الحنفي قاضي قضاة الدّيار المصريّة ـ وكان قد انقطع بالشّبليّة (٣) لمرض به ـ فأحضر شيخ الثلاثة وأنزلهم عنده. ثم لحق ناصر الدّين بن البارزي وصدر الدّين الأدمي الحنفي قاضي قضاة دمشق بالأمير شيخ.
ولمّا بلغ الملك النّاصر توجّه ابن العديم إلى شيخ ، أرسل خلف محبّ الدّين ابن الشّحنة قاضي حلب ، وولّاه قضاء الحنفيّة بالدّيار المصريّة عوضه.
* * *
ثم في يوم الجمعة رابع عشرينه ، أحضر الأمير شيخ الأمير بلاط الأعرج شادّ الشّراب خاناه ـ وكان ممّن قبض عليه بعد انهزام الملك النّاصر ـ ووسّطه. ثم أحضر أيضا الأمير بلاط أمير علم ـ وكان ممّن قبض عليه أيضا يوم الواقعة ، من أجل أنه كان يتولّى ذبح خشداشيته من المماليك الظاهريّة ـ فلمّا حمل للتّوسيط صاح : «يا ظاهريّة الجيرة ، أنا خشداشكم!» ، قالوا له : «الآن أنت خشداشنا ، وأيّام الذّبح كنت عدوّنا؟!» ، فلم يقم إليه أحد.
__________________
(١) هو قاضي قضاة دمشق شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن إسماعيل بن خليفة الدّمشقي المعروف بابن الحسباني ، توفي سنة ٨١٥ ه.
(٢) شهاب الدّين أحمد بن ناصر بن فرج النّاصر الباعوني ، توفي ٨١٦ ه ، ونسبته إلى باعون قرية بالقرب من عجلون. الضوء اللامع للسّخاوي ، ١ : ٢٦.
(٣) المدرسة الشّبليّة كانت من مدارس الحنفيّة بدمشق ، بنيت في أواخر العهد الأيوبي حوالي عام ٦٢٣ ه ، واقفها الأمير شبل الدّولة كافور الحسامي مملوك الأمير حسام الدّين لاجين ابن الخاتون ستّ الشام أخت النّاصر صلاح الدّين الأيوبي. شقّ الأمير كافور طريقا يربط المدينة بالصّالحيّة يمرّ في بساتين «عين الكرش» ، ولم يكن للصّالحية طريق إلا من العقيبة. وبنى مدرسته عند جسر ثورا ، إلى الشمال الغربي من المدرسة البدريّة (التي بوسط ساحة الميسات اليوم) ، فزالت ولم يبق منها إلا تربته الأنيقة ، التي نقلت في عصرنا إلى الغرب ولا تزال ماثلة بأقواسها وقبره في حديقة على كتف ثورا.