وفي اليوم الثالث ركب ولعب ورمى في القبق ، والسّلطان يطاعن بالرّمح. وفي يوم الأحد ترتّب العسكر من جهتين ، واصطدم الجيشان وتطاعنت الفرسان ، والسّلطان بينا يرى آخرا قد شوهد أولا [شعر] وهو لا يسأم الكرّ والفرّ.
وشاهد النّاس من هذا السّلطان وولده الملك السّعيد ، الأسد وشبله ، والسّهم ونصله ، والرّمح وسنانه ، والكفّ وبنانه ، والطّرف وإنسانه ، واستبشرت بالملك السّعيد الأمم ، وجرى بسعادته القلم [شعر] وهو ثاني والده إذا كافح ، وتالي علمه إن طارد أو طارح ، وملبّي ندائه إن دعى نزال ، ومرتمي أمره إن تفوّه بمقال. يتقرّب بالإحسان إلى من ساوقه ، ويتباعد عمّن سابقه [شعر].
وتواصل الطّعن بغير جراح ، وتحاربت الأجساد وتحاببت الأرواح ، وكأنّ الرّماح في أيديهم تذكّرت عهدها القديم من التّبريح بهبوب النّسيم. وصار الطّعن في هذا الميدان أكثر من الطّعن في الحرب ، ولم يعدم في هذه الأيام من أيام المعارك غير سفك الدّماء والضّرب. والسّلطان بين تلك الصّفوف لا يخاف دركا ولا يخشى ، ولا مكيدة تعمل أو تنشا.
وفي يوم الثلاثاء أنعم على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدّمين والوزراء والقضاة والكتّاب بالتشاريف. وكان على السّلطان تشريف كامل بشربوش (١) ، أنعم به على الأمير سيف الدّين قلاون الألفي. ولعبوا وكأنّهم زهر الرّبيع ألوانا مختلفة ، وزهر النّجوم أنوارا مؤتلفة [شعر](٢).
(الرّوض الزّاهر ، ٤٤٩ ـ ٤٥٢)
__________________
(١) أي الزيّ الرّسمي لأمراء المماليك ، أما الشّربوش فعمرة عسكرية رسمية للرأس يلبسها السّلطان والأمراء ، ويبدو أنها كانت مثلّثة الشكل. وخير مرجع لألبسة المماليك كتاب المستشرق السويسري ليو ماير :.L.Mayer : Mamluk Costume.
(٢) بعد هذا وصف متكلّف متقعّر للولائم والتّقدمات يدعو للسّأم فأسقطته.