وانصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك فأذن فيه ، وأقمت في كسر البيت ، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب ، فكتبته في أيام قليلة ، ورفعته إليه فأخذه من يدي ، وأمر موقّعه بترجمته إلى اللسان المغلي.
ثم اشتدّ في حصار القلعة (١) ، ونصب عليها الآلات من المجانيق والنّفوط والعرّادات والنقب ، فنصبوا لأيّام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى ، وضاق الحصار بأهل القلعة ، وتهدم بناؤها من كل جهة ، فطلبوا الأمان. وكان بها جماعة من خدّام السّلطان ومخلّفه ، فأمّنهم السّلطان تمر وحضروا عنده ، وخرّب القلعة وطمس معالمها (٢).
وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها ، بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك من الأموال والظّهر والخيام ، ثم أطلق أيدي النهّابة على بيوت أهل المدينة ، فاستوعبوا أناسيها وأمتعتها ، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي ، فاتّصلت النار بحيطان الدّور المدعّمة بالخشب ، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتّصلت بالجامع الأعظم ، وارتفعت إلى سقفه فسال رصاصه وتهدّمت سقفه وحوائطه (٣) ، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشّناعة والقبح ، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد ، ويحكم في ملكه ما يشاء (٤).
__________________
(١) لماذا لم يعلّق ابن خلدون بكلمة واحدة على نقض تيمور لنك لعهوده بالأمان للمدينة؟ هل اكتفى بنجاته شخصيا ، ولتذهب المدينة بمن حوت؟ وددنا لو أنه حاول ولو بكلمة واحدة أن يفعل شيئا! فأين منه همّة ذاك البطل الكبير صارم الدّين أزبك.
(٢) لذلك يلاحظ الرائي اليوم أن قلعة دمشق ، التي كان بناها الملك العادل أبو بكر محمد ابن أيوب (أخو السّلطان النّاصر صلاح الدّين) خلال ١٥ عاما ٥٩٩ ـ ٦١٤ ه ، لم يبق من بنائها الأصلي القديم إلا الواجهة الشرقية الواقعة في قلب المدينة قرب باب الفرج ، وبها كتابات ونقوش أيوبيّة جميلة جدا. أما واجهتاها الغربية والشمالية فلم يبق من بنائهما الأيوبي القديم شيء بعد أن هدمها الطاغية تيمورلنك.
(٣) انظر ما سيلي في نصّ الأمير تغري بردي الأتابكي حول فظائع المغول بدمشق.
(٤) هذا كل ما كلّف الرّجل خاطره بذكر فاجعة دمشق! ثم بعد ذلك يذكر قدوم رجل من أعقاب بني العبّاس إلى تيمور لنك ، مطالبا بدعمه للوصول إلى منصب الخلافة ، وبعد مناظرات مع الفقهاء والقضاة ظهر بطلان دعواه فردّه.