[رحلة السّلطان برقوق إلى الشّام]
ثم إن السّلطان الملك الظاهر برقوق فرّق على مماليكه الخيول والسّلاح ، وأعلم الأمراء أنهم يتهيّأوا للرّواح. وركب السّلطان في جيوشه وأعوانه ، والخليفة أمير المؤمنين أمامه ، وسار في الجيوش والجحافل ، والصّوارم والعوامل ، والبركستوانات السّوابل ، والصّوارم والرّماح ، والجنائب والسّلاح ، والخوذ والزّرديّات ، والقراقل المثمنات ، والتّرك قد تنوّعوا في الملابس ، كأنهم أسود عوابس ، قد ركبوا السّوابق العربيّة ، وأخلصوا إلى الله تعالى النيّة ، وذوائب العصائب تخفق ، ولسان النّصر ينطق ، وجيوش قد سدّت القفار ، كأنهم شعلة نار ، تكاثر النّجوم بعددها ، وتبهر العيون بحسن ملابسها.
وسار مولانا السّلطان ، أوحد ملوك الزّمان ، بعسكره المنصور ، وسعيه المشكور. وطلع في ركابه الشريف السّلطان أحمد مسرور ، وأيقن أنه على عدوّه تمرلنك منصور ، وقصد السّلطان بلاد الشام ، وطير عزّه فوق رأسه قد حام ، والأكوام تبتهج لمسيره ، وتشكر حسن ثنائه وتأثيره ، وانسرّت لقدومه الأكوان ، وتمايلت فرحا به الأغصان ، وكاد أن يسعى إلى تقبيل الأرض بين يديه القصر (١) والميدان ، وغنّت الأطيار ، وصفّقت الأنهار ، وتضوّع عرف الأزهار ، وانتشرت البشرى في الأقطار ، وتزخرفت القلعة وانجلت ، وأعرضت في أحسن حلّة وتبدّت ، وأظهرت سلطان منعتها ، وأبدت للعيون حسن زينتها ، وافتخرت على القلاع والثّغور ، وابتهجت حتى لاح على وجه أسوارها السّرور ، وتلقّته الرّعايا مبتهلين ، ولجوده وإحسانه شاكرين ، ووصلت أخبار السّلطان أنه في الغور ، وطلع نائب الشام وعساكر الشام فور بعد فور (٢) ، وطالعوا الفواكه والحلاوات إليه ، وقبّلوا الأرض بين يديه.
__________________
(١) كناية عن القصر الأبلق والميدان الأخضر بقربه. كان الميدان موضع معرض دمشق الدولي (تمّت إزالته مؤخرا) ، والقصر الأبلق موضع التكيّة السّليمانيّة.
(٢) كان نائب الشام آنذاك الأمير تنبك الحسني الظاهري (وليها بين ٧٩٥ ـ ٨٠٢ ه) ، انظر نصّ ابن خلدون أدناه حول مقتله على يد النّاصر فرج ابن برقوق. له تربة جميلة في الميدان.