وهي تقلّ قبة الرّصاص التي أمام المحراب المسمّاة بقبّة النسر ، كأنهم شبّهوا المسجد نسرا طائرا والقبّة رأسه ، وهي من أعجب مباني الدنيا ، ومن أي جهة استقبلت المدينة ، بدت لك قبّة النّسر ذاهبة في الهواء ، منيفة على جميع مباني البلد.
وتستدير بالصحن بلاطات ثلاث من جهاته الشرقية والغربية والجوفية (١) ، سعة كل بلاط منها عشر خطا ، وبها من السّواري ثلاث وثلاثون ، ومن الأرجل أربع عشرة.
وسعة الصحن مئة ذراع ، وهو من أجمل المناظر وأتمّها حسنا ، وبه يجتمع أهل المدينة بالعشايا ، فمن قارىء ومحدّث وذاهب ، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة. وإذا لقي أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحطّ رأسه.
وفي هذا الصحن ثلاث من القباب إحداها في غربيّه وهي أكبرها ، وتسمّى قبة عائشة أم المؤمنين ، وهي قائمة على ثمان سوار من الرّخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقّفة بالرّصاص ، يقال إن مال الجامع كان يختزن بها.
وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة وعشرين ألف دينار ذهبا في كل سنة.
والقبّة الثانية من شرقيّ الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان من سواري الرّخام ، وتسمى قبّة زين العابدين.
والقبّة الثالثة في وسط الصحن ، وهي صغيرة مثمّنه من رخام عجيب محكم الإلصاق ، قائمة على أربع سوار من الرّخام الناصع ، وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علوّ ، فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين ، وهم يسمونهم قفص الماء ، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب.
__________________
(١) يريد بهذه البلاطات الأروقة المعمّدة ، وقوله : الجوفية ، يعني الشمالية.