غير أن نفس ابن بطوطة تافت إلى التّرحال من جديد ، فقام برحلة ثانية إلى الأندلس عام ٧٥١ ه ، وبعدها عاد إلى فاس عاقدا العزم على السفر في رحلة ثالثة ليزور بلاد المسلمين في السودان الغربي عام ٧٥٣ ه ، فوصل إلى مالي ونهر النيجر ووصف أحوال سلطنة مالي وعجائب حيواناتها وحياة سكانها عموما. ثم عاد في العام التالي إلى مدينة فاس فأقام بها حتى وفاته عام ٧٧٠ ه.
وما من شك في أن رحلات ابن بطوطة تحتل موقع الصدارة المطلقة بين مصادر تراثنا الأدبي الجغرافي ، وهي من أكثرها أهمية وفائدة وطرافة وإمتاعا ، وأكثر ما يميّزها أن صاحبها لم يكن ناقلا عن غيره فيما كتب بل كان يصف ما رآه بأم عينه في محيط أسفاره الواسعة التي تجاوزت ١٧٥ ألف ميل ، أي أكثر من محيط الأرض بأربعة مرّات ونيّف. ولم يتجاوز ابن جزيّ الصواب عندما وصف ابن بطوطة بأنه «رحّال العصر» ، بينما يرى كراتشكوفسكي أنه كان آخر جغرافي عالمي من الناحية العملية ، وأنه يعتبر المنافس الأبرز لمعاصره الرّحّالة البندقي ماركوپولو الذي طبّقت شهرته الآفاق.
وأحسن تصوير لأهمّية رحلات ابن بطوطة الثلاث ، ما رواه العلّامة الكبير ابن خلدون في مقدّمته بأواخر القرن الثامن الهجري ، إذ قال :
«ورد بالمغرب ، لعهد السّلطان أب عنان ، من ملوك بني مرين ، رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة ، كان رحل من عشرين سنة قبلها إلى المشرق ، وتقلّب في بلاد العراق واليمن والهند. ودخل مدينة دهلي ، حاضرة ملك الهند ، وهو السّلطان محمد شاه ، وكان له منه مكان ، واستعمله في خطّة القضاء بمذهب المالكيّة في عمله».
«ثم انقلب إلى المغرب ، واتّصل بالسّلطان أبي عنان. وكان يحدّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض ، وأكثر ما كان يحدّث عن دولة صاحب الهند ، ويأتي من أحواله بما يستغرب به السّامعون ، مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السّفر ، أحصى أهل مدينته من الرّجال والنّساء والولدان ،