دير مرّان
وهو بالقرب من دمشق على تلّ في سفح قاسيون ، وبناؤه بالجصّ الأبيض ، وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليه دائرة به ، وأشجاره متراكبة ، وماؤه يتدفّق.
وحكي عن المبرّد أنه قال :
وافيت الشأم ـ وأنا حدث في جماعة أحداث ـ لأكتب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزت بدير مرّان ، فأحببت النّظر إليه ، فصعدناه فرأينا منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه ، عليه أثر النّعمة. فدنونا منه وسلّمنا عليه ، فردّ السّلام ، وقال : من أين أنتم يا فتيان؟ قلنا : من أهل العراق. قال : بأبي ، ما الذي أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه ، الثقيل ماؤه ، الجفاة أهله؟ قلنا : طلب الحديث والأدب. فقال : حبّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا : بل أنشدنا. فقال :
|
الله يعلم أنّني كمد |
|
لا أستطيع أبثّ ما أجد |
|
روحان لي : روح تقسّمها |
|
بلد ، وأخرى حازها بلد |
|
وأرى المقيمة ليس ينفعها |
|
صبر وليس يصونها جلد |
|
وأظنّ غائبتي كشاهدتي |
|
بمكانها تجد الذي أجد |
ثمّ أغمي عليه. فأفاق ، فصاح بنا فقال : أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا : بل أنشدنا. فقال :
|
لمّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم |
|
ورحّلوا فتنادت بالهوى الإبل |
|
وأبرزت من خلال السّجف ناظرها |
|
يرنو إلىّ ودمع العين منهمل |
|
فودّعت ببنان حمله عنم |
|
فقلت : لا حملت رجلاك يا جمل |
|
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها |
|
من بارح الوجد حلّ البين فارتحلوا |
|
إنّي على العهد لم أنقض مودّتهم |
|
فليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟ |