فأما القبّة فما لا يجول مثلها في ظنّ ، ولا يدور في فكر. قد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا ، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا ، قد بنيت على قناطر ممتدة على قناطر ، بعقود محكمة ، وقطع صخور منظّمة ، إلى سقوف مذهبة ، ومحاسن موجزة مسهبة ، وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة طول الرّمح. قد غلّفت هي وكل الأسطحة بالرّصاص. وحكّمت ميازيبه ، وجمع فيه من كل حسن غريبه.
قال أبو محمد ابن زبر القاضي : سمّي باب الساعات ، لأنه عمل هناك بيكار الساعات ، يعلم بها كل ساعة تمضي. عليها عصافير من نحاس ، وحيّة من نحاس ، وغراب من نحاس. فإذا تمّت الساعة خرجت الحيّة ، وصفّرت العصافير ، وصاح الغراب ، وسقطت حصاة في الطّست.
وكان في الجامع قبل حريقه طلّمسات لسائر الحشرات ، معلّقة في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلّمسات وجدت. ومما كان فيه طلّسم للصّنونات لا تعشّش فيه. ولا يدخله غراب ، وطلّسم للفأر ، وطلّسم للحيّات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلّا الفأر. وفيه طلّسم للعنكبوت.
وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة (١). وكان سببه أن أمير الجيوش بدر الجمالي ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلمّا كان بعد العصر يوم نصف شعبان ، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة ، فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار ، فبادرت الى الجامع. وكانت العامّة تعاون المغاربة ، فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع. فجلّ الأمر وعظم ، فجعلوا يبكون ويتضرّعون.
__________________
(١) راجع وصف واقعة هذا الحريق في ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي ، ٩٦. ولقد وصف الجامع قبل حريقه عام ٤٦١ ه ، بأواخر القرن الرّابع الرّحالة الكبير البشاري المقدسي في «أحسن التقاسيم إلى معرفة الأقاليم» ، لا يدن ١٥٦ ـ ١٦٠. ثم وصفه الإدريسي بعد الحريق ، عام ٥١٠ ه ، في «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» ، وابن جبير عام ٥٨٠ ه.