فلما نظر ذو القرنين إلى تلك الغيضة ؛ وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق ؛ مجتمعا في واد واحد ؛ فأخذ ذو القرنين يفكّر كيف يبني فيه مدينة ، وكان أكثر فكره فيه وتعجبه منه ، أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها. وكان له غلام يقال له دمشقش على جميع ملكه.
ولما نزل ذو القرنين من عقبة دمّر ، سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة بيلدا من دمشق على ثلاثة أميال ، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفيرة ففعلوا ذلك ، ثم أمر بردّ التراب الذي أخرج منها. فلما ردّ التراب لم تمتلىء الحفيرة ، فقال لغلامه دمشقش : إرحل فإني كنت نويت أن أؤسّس في هذا الموضع مدينة ، فأمّا إذ بان لي منه هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة. قال : ولم؟ قال ذو القرنين : إن بني هاهنا مدينة فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها!
قال : ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنيّة وحوران [و] أشرف على تلك السّعة ، ونظر إلى تلك التّربة الحمراء ، فأمر أن يناول من ذلك التّراب ؛ فلما صار في يده أعجبه لأنه نظر إلى تربة كأنها الزّعفران. فنزل هناك وأمر أن تحفر حفرة [ص ١٦٠ ب] فحفرت ، وأمر بردّ التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه وفضل منه تراب كثير ؛ فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش : إرجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز ، فاقطع ذلك الشجر ، وابن على حافّة الوادي [ط ٢ / ٤٣٢] مدينة وسمّها على اسمك ، فهناك يصلح أن تكون مدينة ، وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميرتها.
قال الحافظ : وعلامة صحّة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلّاتهم حتى يتكفّوا من البثنيّة وحوران.
فرجع دمشقش وبنى المدينة ، وعمل لها حصنا ، وهي المدينة الدّاخلة. وعمل لها أربعة أبواب : جيرون ، مع باب البريد ، مع باب الحديد في سوق الأساكفة ، مع باب الفراديس الداخلة. هذه كانت المدينة ؛ إذا أغلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة ، وخارج هذه الأبواب كان مرعى.