السورة « النور »
... [ وقوله سبحانه : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ ] (١) عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [٢٤] . وهذه استعارة على أحد التأويلات الثلاثة ، وهو أنه سبحانه يجعل فى الأيدى التي بسطت إلى المحظورات ، والأرجل التي سعت إلى المحرمات ، علامة تقوم مقام النطق المصرّح ، واللسان المفصح ، فى الشهادة على أصحابها ، والاعتراف بذنوبها.
فأما شهادة الألسنة فقد قيل إن المراد بها إقرارهم على نفوسهم بما واقعوه من المعاصي ، إذ علموا أن الكذب لا ينفعهم ، والجحود لا يغنى عنهم.
وليس ذلك بمناقض لقوله سبحانه : ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (٢) لأنه قد قيل فى ذلك إنه جائز أن تخرج ألسنتهم من أفواههم فتنطق بمجرّدها ، من غير اتصال بجوزاتها ولهواتها. فيكون ذلك أعجب لها ، وأبلغ فى معنى شهادتها. ويختم فى تلك الحال على أفواههم.
وقيل يجوز أن يكون الختم على الأفواه إنما هو فى حال شهادة الأيدى والأرجل ، بعد ما تقدم من شهادة الألسن.
وأما التأويلان الآخران فى معنى شهادة الأيدى والأرجل ، فالكلام يخرج بهما عن حد الاستعارة إلى الحقيقة. وذلك أنهم قالوا : إن الله سبحانه يبنى الأيدى والأرجل بنية تكون هى الناطقة بما تشهد به عليهم ، من غير أن يكون النطق منسوبا إليهم.
__________________
(١) ما بين حاصرتين ، هو من القطعة الناقصة من الأصل وقد أكملناه.
(٢) سورة يس. الآية رقم ٦٥.
