الحكمة فى إخفاء وقتها ، ليكون الخلق فى كل حين وزمان على حذر من مجيئها ، ووجل من بغتتها (١) ، فيستعدوا قبل حلولها ، ويمهدوا قبل نزولها.
ويقوى ذلك قوله سبحانه : ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ [١٥] .
وقوله سبحانه : ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ، سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ ﴾ [٢١] وهذه استعارة. لأن المراد بالسيرة هاهنا الطريقة والعادة. وأصل السيرة مضىّ الإنسان فى تدبير بعض الأمور على طريقة حسنة أو قبيحة. يقال : سار فلان الأمير فينا سيرة جميلة. وسار بنا سيرة قبيحة. ولكن موسى عليهالسلام لما كان يصرف عصاه ـ قبل أن تنقلب (٢) حية ـ فى أشياء من مصالحه ، كما حكى سبحانه عنه بقوله : ﴿ قهِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ، وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي (٣) وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾ [١٨] ثم قلبت حية ، جاز أن يقول تعالى : ﴿ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ ﴾ أي إلى الحال التي كنت تصرفها معها فى المصالح المذكورة ، لأن تصرفها فى تلك الوجوه كالسيرة لها ، والطريقة المعروفة منها. والمراد : سنعيدها إلى سيرتها الأولى. فانتصبت السيرة بإسقاط الجار (٤) .
وقوله سبحانه : ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ [٢٢] وهذه استعارة. والمراد بها ـ والله أعلم ـ وأدخل يدك فى قميصك مما يلى إحدى جهتى يديك. وسميت تلك الجهتان جناحين ، لأنهما فى موضع الجناحين من الطائر. ويوضح عما ذكرنا قوله سبحانه فى مكان آخر : ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ (٥) والجيب فى جهة إحدى اليدين.
__________________
(١) فى الأصل : بعثتها ، وهو تحريف من الناسخ.
(٢) فى الأصل : ( تعلب ) وهى تحريف.
(٣) سورة طه. الآية رقم ١٨.
(٤) إذا نزع الخافض ، أو سقط الجار انتصب الاسم بعده بدلا من جره.
(٥) سورة النمل. الآية رقم ١٢.
