سبحانه بذلك إذلال الجبارين. فإذا تمهد ما ذكرنا كان فى ذكر « الظلال » فائدة حسنة ، وهو أن الظل الذي هو فى سجود الشخص وهو غير قائم بنفسه ، إذا ظهرت فيه أعلام الخضوع للخالق تعالى بما فيه من دلائل الحكمة وعجائب الصنعة ، كان ذلك أعجب من ظهور هذه الحال فى البنية القائمة بنفسها ، والمعروفة بشخصها.
وقوله سبحانه : ﴿ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [١٧] . وهذه استعارة. والمراد بضرب الأمثال ـ والله أعلم ـ معنيان : أحدهما أن يكون تعالى أراد بضربها تسييرها (١) فى البلاد ، وإدارتها على ألسنة الناس. من قولهم : ضرب فلان فى الأرض. إذا توغل فيها وأبعد فى أقاصيها. ويقوم قوله تعالى : ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ مقام قوله ضرب بها فى البلاد.
والمعنى الآخر فى ضرب المثل أن يكون المراد به نصبه للناس بالشهرة ، لتستدل عليه خواطرهم ، كما تستدل على الشيء المنصوب نواظرهم. وذلك مأخوذ من قولهم : ضربت الخباء. إذا نصبته ، وأثبتّ طنبه (٢) ، وأقمت عمده. ويكون قوله سبحانه : ﴿ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ [١٧] . إلى هذا الوجه. أي ينصب منارهما ، ويوضح أعلامهما ، ليعرف المكلفون الحق بعلاماته فيقصدوه ، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه.
وقوله سبحانه : ﴿ فَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [٣٣] وهذه استعارة.
__________________
(١) فى الأصل : تسيرها وهو تحريف فى النسخ.
(٢) الطنب : حبل طويل يشد به سرادق البيت. والجمع أطناب.
