بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سورة البقرة
... ولكنهم لما لم يعلموا هذه الآلات فى مذاهب الاستدلال بها ، كانوا كمن فقد أعيانها ، ورمى بالآفات فيها. وكذلك قوله تعالى : ﴿ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ (١) لأن الطبع من الطابع ، والختم من الخاتم ، وهما بمعنى واحد. وإنما فعل سبحانه ذلك بهم عقوبة لهم على كفرهم.
وقوله سبحانه : ﴿ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ [٧] (٢) استعارة أخرى. لأنهم كانوا على الحقيقة ينظرون إلى الأشخاص ، ويقلّبون الأبصار ، إلّا أنهم لما لم ينتفعوا بالنظر ، ولم يعتبروا بالعبر وصف سبحانه أبصارهم بالغشي ، وأجراهم مجرى الخوابط الغواشي. أو يكون تعالى كنى هاهنا بالأبصار عن البصائر ، إذ كانوا غير منتفعين بها ، ولا مهتدين بأدلتها. لأن الإنسان يهدى ببصيرته إلى طرق نجاته ، كما يهدى ببصره إلى مواقع خطواته.
وقوله تعالى. ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [١٠] والمرض فى الأجسام حقيقة وفى القلوب استعارة ، لأنه فساد فى القلوب كما أنه فساد فى الحقيقة ، وإن اختلفت جهة الفساد فى الموضعين.
وقوله سبحانه : ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [١٥] وهاتان استعارتان. فالأولى منهما إطلاق صفة الاستهزاء سبحانه ، والمراد بها أنه تعالى يجازيهم على استهزائهم بإرصاد العقوبة لهم ، فسمى الجزاء على الاستهزاء باسمه ، إذ كان واقعا فى مقابلته ، والوصف بحقيقة الاستهزاء غير جائز عليه تعالى ،
__________________
(١) سورة التوبة الآية رقم ٨٧ ، وفى سورة « المنافقون » ( فطبع على قلوبهم ) بالفاء لا بالواو الآية رقم ٣.
(٢) ملحوظة. يشير الرقم بين حاصرتين بعد الآية هكذا [] إلى عددها من السورة.
