وسد الذرائع لانقاض أهلها. وإذا صلحت النفس البشرية أصلحت كل شىء تأخذ به وتتولى أمره ، فالإنسان سيد هذه الأرض ؛ وصلاحها وفسادها منوط بصلاحه وفساده ، وليست الثروة ولا وسائلها من صناعة وزراعة وتجارة هى المعيار لصلاح البشر ، ولا الملك ووسائله من القوة والسياسة ، فان البشر قد أوجدوا كل وسائل الملك والحضارة من علوم وفنون وأعمال بعد أن لم تكن ـ فهى إذا نابعة من معين الاستعداد الإنسانى ، تابعة له دون العكس ، ودليل ذلك فى العكس كدليله فى الطرد ، فاننا نحن المسلمين وكثيرا من الشعوب التى ورثت الملك والحضارة عن سلف أوجدهما من العدم : ممن أضاعوهما بعد وجودهما بفساد أنفسهم.
صلحت أنفس العرب بالقرآن إذ كانوا يتلونه حق تلاوته فى صلواتهم المفروضة وفى تهجدهم وسائر أوقاتهم ـ فرفع أنفسهم وطهرها من خرافات الوثنية المذلة للنفوس المستعبدة لها ، وهذب أخلاقها وأعلى هممها ، وأرشدها إلى تسخير هذا الكون الأرضى كله لها ، فطلبت ذلك فأرشدها طلبه إلى العلم بسننه تعالى فيه من أسباب القوة والضعف ، والغنى والفقر ، والعز والذل ، فهداها ذلك إلى العلوم والفنون والصناعات ، فأحيت مواتها ، وأبدعت فيها ما لم يسبقه إليها غيرها. حتى قال صاحب كتاب تطور الأمم من حكما الغرب : إن ملكة الفنون لا تستحكم فى أمة من الأمم إلا فى ثلاثة أجيال : جيل التقليد ، وجيل الخضرمة ، وجبل الاستقلال ، وشذ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون فى جيل واحد.
قد شاهدنا ولا نزال نشاهد فى بلانا : أن طلب العلوم والفنون مع إهمال التربية المصلحة للنفس لم تحل دون استعباد الأجانب لنا ، كما جرى فى دولتى الآستانة والقاهرة وغيرهما. ترى الرجل المتعلم المتفنن يتولى ولاية أو وزارة فيكون أول همه منها تأسيس ثروة واسعة لنفسه وولده لأجل التمتع بالشهوات واللذات والزينة ، وهكذا تفعل كل طبقة من رجال الدولة ، يستنزفون ثروة الأمة بالرشى والحيل وأكل السحت ، ويكون كل ما فضل عن شهواتهم بل جل ما ينفقونه عليها نصيب الأجانب ، وقد شرحنا هذه الموضوعات من قبل فى مواضعها من المنار والتفسير فلا نطيل فيها هنا. وإنما طرقنا هذا الباب لنذكركم أيها القارئون لهذه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)