علمنا الله أنه رحمن رحيم ليجذب قلوبنا اليه ، ولكن هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟ أليس فينا من يسلك كل سبيل. لا يبالى بمستقيم ومعوج؟ بلى ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين ، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم ، فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعى التربية كليهما : الترغيب والترهيب ، كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ)
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
ما هى العبادة؟ يقولون هى الطاعة مع غاية الخضوع ، وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل ، وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل ، فكثيرا ما يفسرون الشىء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها ، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظى ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها ، ومن ذلك هذه العبارة ، التى شرحوا بها معنى العبادة ، فان فيها إجمالا وتساهلا. وإننا إذا تتبعنا آى القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لعبد وما يماثلها ويقاربها فى المعني ـ كخضع وخنع وأطاع وذل ـ نجد أنه لا شىء من هذه الألفاظ يضاهى «عبد» ويحل محلها ويقع موقعها ، ولذلك قالوا : إن لفظ «العباد» مأخوذ من العبادة فتكثر إضافته إلى الله تعالى ، ولفظ «العبيد» تكثر إضافته إلى غير الله تعالى لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق ، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى. ومن هنا قال بعض العلماء إن العبادة لا تكون فى اللغة إلا لله تعالى ولكن استعمال القرآن يخالفه
يغلوا العاشق فى تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه فى هواه ، وتذوب إرادته فى إرادته ، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة ويبالغ كثير من الناس فى تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء. فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم مالا تراه من المتحنثين القانتين ، دع سائر العابدين ، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة ، فما هى العبادة إذا؟
تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربى الصراح على أن العبادة ضرب
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)