أقول الآن : إننى لا أرى وجها للبحث فى عد ذكر (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فى سورة الفاتحة تكرارا أو إعادة مطلقا أما على القول بأن البسملة ليست آية منها فظاهر ، وأما على القول بأنها آية منها فيحتاج إلى بيان ، وهو أن جعلها آية منها ومن كل سورة يراد به ما تقدم شرحه آنفا من أن النبى صلىاللهعليهوسلم كان يلقنها ويبلغها للناس على أنها (أى السورة) منزلة من عند الله تعالى أنزلها برحمته لهداية خلقه وأنه صلىاللهعليهوسلم لا كسب له فيها ولا صنع ، وإنما هو مبلغ لها بأمر الله تعالى. فهى مقدمة للسور كلها إلا سورة براءة المنزلة بالسيف وكشف الستار عن نفاق المنافقين ، فهى بلاء على من أنزل أكثرها فى شأنهم لا رحمة بهم. وإذا كان المراد ببدء الفاتحة بالبسملة أنها منزلة من الله رحمة بعباده فلا ينافى ذلك أن يكون من موضوع هذه السورة بيان رحمة الله تعالى مع بيان ربوبيته للعالمين ، وكونه الملك الذى يملك وحده جزاء العاملين على أعمالهم ، وأنه بهذه الأسماء والصفات كان مستحقا للحمد من عباده ، كما أنه مستحق له فى ذاته ، ولهذا نسب الحمد إلى اسم الذات ، الموصوف بهذه الصفات.
والحاصل أن معنى الرحمة فى بسملة كل سورة هو أن السورة منزلة برحمة الله وفضله فلا يعد ما عساه يكون فى أول السورة أو أثنائها من ذكر الرحمة مكررا مع ما فى البسملة ، وإن كان مقرونا بذكر التنزيل كأول سورة فصلت (حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لأن الرحمة فى البسملة للمعنى العام فى الوحى والتنزيل ، وفى السور للمعنى الخاص الذى تبينه السورة وقد لاحظ هذا المعنى من قال إن البسملة آية مستقلة فاصلة بين السور. وأما من قال إنها آية من كل سورة فمراده أنها تقرأ عند الشروع فى قراءتها ، وأن من حلف ليقرأن سورة كذا لا يبرأ إلا إذا قرأ البسملة معها ، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءتها أيضا.
هذا ـ وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن بحمده تعالى عليه وبشكره له باستعمال نعمه التى تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله فليحسن تربية نفسه وتربية من يوكل إليه تربيته من أهل وولد ومريد وتلميذ ، وباستعمال نعتمه بهداية الدين فى تربية نفسه الروحية والاجتماعية وكذا تربية من
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)