علمها لم يحط بمواقع حكمته ، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى. ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها ، على أن كل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها ، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحا واحدا هو مبعث الشر ومصدر الاغواء فقد أبى الخضوع ، واستكبر عن السجود ، لما كان فى طبيعته من الاستعداد لذلك. والاستعداد فى الشىء إنما يظهر بظهور متعلقه. فلا يقال : إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الابليسى ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدى لاغوائه؟ لا يقال ذلك لأنه كان مستعدا لهذا العصيان والاباء فلما أمر عصى. ولما وجد خلقا مستعدا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه. كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجودة كامنة فى البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.
ومجمل الآيات اللاحقة : أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكني الجنة والتمتع بها. ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم. وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده. ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله. ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه. وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الالهية التى فطر عليها الملائكة والبشر. وتسلية النبى صلىاللهعليهوسلم عما يلاقى من الانكار. وتقدم وجه ذلك فى الآيات السابقة. وأما وجهه فى هذه الآيات فظاهر ، وهو أن المعصية من شأن البشر. كأنه يقول : فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [فقد كان الضعف فى طباعهم ينتهى إليهم من أول سلف لهم تغلب عليهم الوساوس. وتذهب بصبرهم الدسائس. انظر ما وقع لآدم وما كان منه. وسنة الله مع ذلك لا تتبدل. فقد عوقب آدم على خطيئته باهباطه مما كان فيه. وإن كان قد قبل توبته. وغفر هفوته] فالمعصية دائما مجلبة الشقاء. وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم فى اتباع الهداية الالهية وشقاءهم فى الانحراف عن سبلها.
وأما تفسير هذه الآيات بالتفصيل فقد اختلف علماء المسلمين من أهل السنة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
