ذا إرادة مطلقة واختيار فى عمله غير محدود ، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التى تعن له تكون بحسب علمه ، وأن العلم إذا لم يكن محيطا بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الارادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد ، وهو متعين لازم الوقوع ، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى ، فعجبوا كيف يخلق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون ، أو بلسان الحال والتوجيه اليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة ، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم ، كما نسب القول إلى السموات والأرض فى قوله (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ).
فأول ما ألقى اليهم من الالهام أو غيره من طرق الإعلام هو وجوب الخضوع والتسليم ، لمن هو بكل شىء عليم ، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار فى كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه ، ومن شأن الانسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه فى العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع فى اعتقاده ، ومثل الأستاذ لذلك بمشايخ الصوفية مع مريديهم.
ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس فى بلاد الحضارة والصناعات فى هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر ، فاذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فانهم يصدقونهم ، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.
فان الذين يصنعون سلكا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة فى دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك ، وقد كان ، ويصدقون بامكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن ، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد ، وليس تصديقنا تقليدا ولا تسليما أعمى كما يقال بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل. والملائكة أعلم منا بشأن الله فى أفعاله وأنه العليم الحكيم ، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه ، ولذلك كان قوله تعالى (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) جوابا مقنعا أى اقناع.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
