فلم يكتف أولئك الفاسقون المنكرون للمثل الذى ضربه الله لعباده بنقض حبل العهد الالهى. وحل طاقاته ونكث فتله حتى قطعوه قطعا. وأفسدوا بذلك نظام الفطرة ونظام الهداية الدينية أصلا وفرعا. ولذلك عقب هذا الوصف بقوله (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) وأى إفساد أكبر من إفساد من أهمل هداية العقل وهداية الدين. وقطع الصلة بين المقدمات والنتائج. وبين المطالب والأدلة والبراهين. من كان هذا شأنه فهو فاسد فى نفسه ووجوده فى الأرض مفسد لأهلها لأن شره يتعدى كالأجرب يعدى السليم. ولذلك ورد فى السنة النهى عن قرناء السوء. والمشاهدة والتجربة مؤيدة للسنة ومصدقة لها. خصوصا إذا قعدوا فى سبيل الله يصدون عنها ويبغونها عوجا. فإن إفسادهم يكون أشد انتشارا وأشمل خسارا.
ولما كان إفساد هؤلاء عاما للعقائد والأخلاق والأعمال لأن علته فقد الهدايتين هداية الفطرة وهداية الدين ـ سجل عليهم الخسران وحصره فيهم بقوله (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) بالخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة أما خسرانهم فى الدنيا فهو ظاهر لأرباب البصائر الصافية. والفضائل السامية. ولكنه يخفى على الأكثرين. بالنسبة إلى الأغنياء من أولئك الخاسرين. يرونهم متمتعين بلذات الدنيا وشهواتها. فيحسبون أنهم مغبوطون سعداء بها. فيكون هذا الحسبان من آلات الافساد. ولو سبروا أغوارهم. وبلوا أخبارهم. لأدركوا أن ما هم فيه من ظلمة النفس وضيق العطن وفساد الأخلاق بنغص عليهم أكثر لذاتهم ويقذف بهم إلى الافراط الذى يولد الأمراض الجسدية والنفسية. ويثير فى نفوسهم كوامن الوساوس. ويجعل عقولهم كالكرة تتقاذفها صوالجة الأوهام. وأن حب الراحة يوقعهم فى تعب لا نهاية له. وهو تعب البطالة والكسل أو العمل الاضطرارى ومن لا يذوق لذة العمل الاختيارى لا يذوق لذة الراحة الحقيقية. لأن الله تعالى لم يضع الراحة فى غير العمل. وإنما سعادة الدنيا بصحة الجسم والعقل وأدب النفس الذى يرشد إليه الدين. فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة و (ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
