من البشر أو من العرب ، أو الذين أنكروا الوحى لمجىء الأمثال القولية فيه بما يعد حقيرا من المخلوقات فى عرف المتكبرين والمتظرفين منهم؟ دل ذكر العهد والسكوت عما يفسره. وإطلاق ما أمر الله به أن يوصل بدون بيان ما يفصله ، على أن الله تعالى ما وصفهم إلا بما هم متصفون به ، ولا حاجة إلى بيان المجمل بالقول إذا كان الوجود قد تكفل ببيانه ، والواقع قد فسره بلسانه ، ويرشد إلى فهم العهد الإلهى هنا ما قلناه فى معنى الفسوق فإن الفاسقين هم (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) فإذا كان معنى الفسوق الخروج عن سنن الله تعالى فى خلقه التى هداهم إليها بالعقل والمشاعر ، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصة ، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس بالنظر والاعتبار ، والتجربة والاختبار ، أو العقل والحواس المرشدة إليها ، وهى عامة ، والحجة بها قائمة على كل من وهب نعمة العقل وبلغ سن الرشد سليم الحواس ، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالا صحيحا حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها ، كما قال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) وكما قال فيهم أيضا (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ).
هذا هو القسم الأول من العهد الإلهى وهو العام الشامل ، والأساس للقسم الثانى المكمل الذى هو الدين ، فالعهد فطرى خلقى ، ودينى شرعى ، فالمشركون نقضوا الأول ؛ وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثانى جميعا ، وأعنى بالناقضين من أنكر المثل من الفريقين. والميثاق اسم لما يوثق به الشىء ويكون محكما يعسر نقضه ، والله تعالى قد وثق العهد الفطرى بجعل العقول بعد الرشد قابلة لادراك السنن الالهية فى الخلق ، ووثق العهد الدينى بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات ، والأحكام المحكمات ، وقد وثق العهد الأول بالعهد الثانى أيضا ، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم فهو ناقض لعهد الله فاسق عن سننه فى تقويم البنية البشرية وإنمائها ، وإبلاغ قواها وملكاتها حد الكمال الانسانى الممكن لها.
وأما قوله (وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) ففيه من الاجمال نحو ما فى نقض العهد ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
