ومن اللطائف البديعة التى يخالف بها نظم القرآن نظم كلام العرب من شعر ونثر : أنك ترى السور ذات النظم الخاص والفواصل المقفاة تأتى فى بعضها فواصل غير مقفاة ، فتزيدها حسنا وجمالا وتأثيرا فى القلب ، وتأتى فى بعض آخر آيات مخالفة لسائر آيها فى فواصلها وزنا وقافية ، فترفع قدرها وتكسوها جلالة وتكسبها روعة وعظمة ، وتجدد من نشاط القارىء وترهف من سمع المستمع ، وكان ينبغى للخطباء والمترسلين أن يحاكوا هذا النوع من محاسنه ، وإن كانوا يعجزون عن معارضة السورة فى جملتها ، أو الصعود إلى أفق بلاغتها ، ومن أعجب هذه السور أوائل سور المفصل بل المفصل كله. قال شيخنا الأستاذ الإمام : كان المعقول أن يحدث القرآن فى هذه اللغة من البلاغة فى البيان فوق ما أحدثه بدرجات.
إعجاز القرآن ببلاغته
(الوجه الثانى) بلاغته التى تقاصرت عنها بلاغة سائر البلغاء قبله وفى عصر تنزيله وفيما بعده. ولم يختلف أحد من أهل البيان فى هذا ، وإنما أورد بعض المخالفين بعض الشبه على كون بلاغة كل سورة من قصار سوره بلغت حد الإعجاز فيه ، والقائلون به لا يحصرون إعجاز كل سورة فيه ، ويتحقق التحدى عندهم باعجاز بعض السور القصيرة بغيره. كأخبار الغيب فى سورة الكوثر التى هى أقصر سورة ، على أن مسيلمة تصدى لمعارضتها بمحاكاة فواصلها ، فجاء بخزى كان حجة على عجزه وصحة إعجازها.
ومن الناس من لا يفقه سر هذه البلاغة ويمارى فيما كتب علماء المعانى والبيان من قواعدها ، زاعمين أنه يمكن حمل كل كلام عليها ، وأن الإحالة على الذوق فيها إحالة على مجهول ، لا تقوم به حجة ولا يثبت به مدلول ، لأن الذوق المعنوى كالحسى خاص بصاحبه «من ذاق عرف» وسبب هذا جهلهم اللغة العربية الفصحى نفسها ، فقد مرت القرون فى أثر القرون على ترك الناس لمدارسة الكلام البليغ منها واستظهاره واستعماله ، واقتصار مدارس الأمصار على قراءة كتب النحو والصرف والمعانى والبيان والبديع وهى أدنى ما وضع فى فنونها فصاحة وبيانا ، وأشدها عجمة وتعقيدا ، وهى الكتب التى اقتصر مؤلفوها على
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
