تلك الارشادات الالهية بمنزلة المطر الذى ينزل من السماء ؛ والزلزال والاضطراب الذى أشرنا إليه بمنزلة الرعد ، واستبانة الصراط المستقيم الذى يلمع فى أنفسهم من ذلك كالبرق ، والعادات والتقاليد والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التى تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه ، ولذلك قال تعالى فى تمثيل حال هذا الفريق (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) أى قوم نزل بهم صيب ، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه فى أيديهم ، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء ، ولا جرم أن تلك السوانح التى تسنح فى الأفكار ، والالهامات الالهية ، لأصحاب الفطرة الزكية ، التى يكون من أثرها ما أشار إليه المثل ، وتقدم التنبيه عليه ، هى أمر وهبى واقع ، ماله من دافع.
قال تعالى فى وصف الصيب (فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) الظلمات هى ظلمة الليل وظلمة السحب وظلمة الصيب نفسه ؛ والرعد هو الصوت المعروف الذى يسمع فى السحاب عند اجتماعه أحيانا ، والبرق هو الضوء الذى يلمع فى السحاب فى الغالب وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب ، وقال مفسرنا الجلال السيوطى : إن الرعد ملك أو صوته ، والبرق سوطه يسوق به السحاب ، كأن الملك جسم مادى لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام ، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع. وما ذكرناه هو الذى كان يفهمه العرب من اللفظين ، وهو الذى يفهمه الناس اليوم ، ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح ، ولا سيما إذا صرفت عن معانى من عالم الشهادة الذى يعرفه الواضعون والمتكلمون ، إلى معانى من عالم الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحى ، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التى نص المحدثون على كذبها ، كما ولعوا بحشوها بالقصص والاسرائيليات التى تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانا له وتفسيرا ، وجعلوا ذلك ملحقا بالوحى ، والحق الذى لا مرية فيه : أنه لا يجوز إلحاق شىء بالوحى غير ما تدل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
