وما يشعر بذلك. وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهم عاجزون عن إظهار عداوتهم ، فأعمالهم التى يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء وقد فصل شيخنا سر مخادعتهم وفلسفتها ببيان علمى جلى ، فقال ما معناه :
هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل فى الغفران ، أو تأويل إلى غير المراد ، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب ، وذلك بما رسخ فى نفوسهم من ملكات السوء ، المغشاة بصور من العقائد الملونة بما قد يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانا. وما هم فى الحقيقة بمؤمنين ، وإنما هم خادعون مخدوعون ، ولكنهم لما عمى عليهم من أمر أنفسهم ، لا يشعرون ، لأن ذلك يمر فى أنفسهم وهم عنه غافلون.
وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عند ما تسأل عنه ، وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات ، بصيرورته ملكة فى النفس متصرفة فى الإرادة ، باعثة لها على العمل. فمن العلوم ما هو ثابت فى النفس ممتزج بها. [على النحو الذى ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال ، وهى ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فانها إنما تنطبع فى النفس تبعا للعلم الذى يلائمها] وهو العلم الحقيقى الذى تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الانسان عنه ولا يلاحظه عند ما يعمل. وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره وبين وجوده وتحققه فى نفسه.
ومن العلوم ما يلاحظ الانسان أنه عنده فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها ، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التى لا تزايلها [وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول ، كعلم الحلال والحرام الذى يحصله طلبة الفقه الاسلامى مثلا. وكعلم مزايا الفضيلة ، ورزايا الرذيلة الذى يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار فى كتب الأواخر والأوائل. لتعزير مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك ، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل ، يبقى فى خزانة الخيال ، تستحضره النفس عند ما تدفعها الشهوة إلى تزيين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
