الاعتقاد الجازم فى غير الحسيات والضروريات كما صرحوا به ، فالجزم بخبر الصادق والاعتقاد المبني على الادلة والامارات يسمى يقينا إذا كان ثابتا لا شك فيه. وفى لسان العرب : أن اليقين العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر ، وهو نقيض الشك ، والعلم نقيض الجهل ا ه فالايمان الشرعى يشترط فيه اليقين اللغوى فقط وهو التصديق الجازم الذى لا شك فيه ولا تردد ، ولا ملاحظة طرف راجح على طرف مرجوح فان هذا هو الظن. واليقين المنطقى أكمل. وهو ما بنى عليه شيخنا ما يأتى مبسوطا لا ملخصا ، قال ما معناه :
[وصفهم بأنهم موقنون بالآخرة لأنهم مؤمنون بالقرآن ، ولم يصف بهذا الوصف الطائفة الأولى لأنها وإن كانت تؤمن بالغيب وتتوجه إلى الله تعالى بالصلاة المخصوصة بها وتنفق مما رزقها الله ، فذلك لا ينافى أنها فى حيرة من أمر البعث والجزاء ، وكذلك كانت قبل الايمان بالقرآن. وكان من هداية القرآن لها : أن خرج بها من غمرات تلك الحيرة.
لا يعتدّ بما دون اليقين فى الايمان. وقد قال الله تعالى فى اعتقاد قوم (٥٣ : ٢٨ (وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) وإذا لم يكن الظان موقنا وعلى نور من ربه فى اعتقاده ، فما حال من هو دونه من الشاكين والمرتابين؟ ويعرف اليقين فى الايمان بالله واليوم الآخر بآثاره فى الاعمال.
إننا نرى الرجل يأتى إلى المحكمة بدعوى زور يريد أن يأكل بها حق أخيه بالباطل أو يجامل آخر بشهادة زور ، أو ينتقم بها من ثالث ، وهو يعلم أنه مزور ومبطل ، فيقال له : اتق الله أن أمامك يوما (يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) فيقول أعوذ بالله أنا أعلم أن أمامى يوما ، وأن أمامى شبرا من الأرض ـ يعنى القبر ـ والدنيا لا تغنى عن الآخرة. ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى أنه محق فى دعواه أو فى شهادته ، ثم يظهر التحقيق أنه مزور ، ويضطره إلى الاعتراف والاقرار بذلك ، فكأن الايمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح فى ذهنه عند ما يريد الخلابة والخداع لأجل أكل الحقوق أو إرضاء الهوى ، ولا يظهر له أثر فى أعماله وأحواله كأثر الاعتقاد ببعض المشايخ الميتين ؛ كما بينا ذلك من قبل]
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
