الغايات ولوازم الأمور بطلبها والسعى لها.
فليس من هديه أن يترك المسلمون الدنيا ومعايشها وسياستها ويكونوا فقراء أذلاء ، تابعين للمخالفين لهم من الأقوياء ـ ولا أن يكونوا كالأنعام لا همّ لهم إلا فى شهواتهم البدنية ، وكالوحوش التى يفترس قويها ضعيفها. وهذا الجمع بين الأمرين مقتضى الفطرة ، والاسلام دين الفطرة ، وذلك هو ما أرشدنا الله إليه بقوله (٢٠٠ (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) ٢٠١ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) الخ
(القاعدة الثالثة والعشرون) أن الأحكام الاجتهادية التى لم تثبت بالنص القطعى الصريح رواية ودلالة لا تجعل تشريعا عاما إلزاميا بل تفوض إلى اجتهاد الأفراد فى العبادات الشخصية والتحريم الديني الخاص بهم ـ وإلى اجتهاد أولى الأمر من الحكام وأهل الحل والعقد فى الأمور السياسية والقضائية والادارية ومأخذه آية (٢١٩ (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) ووجهه : أن هذه الآية تدل على تحريم الخمر والميسر بضرب من الاجتهاد فى الاستدلال ، وهو أن ما كان إثمه وضرره أكبر من نفعه فهو محرم يجب اجتنابه ، وذلك ما فهمه بعض الصحابة فامتنعوا من الخمر والميسر. ولكن النبى صلىاللهعليهوسلم لم يلزم الأمة هذا ، بل أقر من تركهما ومن لم يتركهما على اجتهادهما إلى أن نزل النص القطعى الصريح فى تحريمهما والأمر باجتنابهما فى سورة المائدة فحينئذ بطل الاجتهاد فيهما ، وأهرق كل واحد من الصحابة ما كان عنده من الخمر وصار النبى صلىاللهعليهوسلم يعاقب من شربها.
وبناء على هذه القاعدة كان يعذر كل أحد من سلف الأمة من خالفه أو خالف بعض الأخبار والآثار الاجتهادية غير القطعية رواية ودلالة ، ولم يوجبوا على أحد أن يتبع أحدا فى اجتهاده كما يفعل الخلف المقلدون.
وبناء على هذه القاعدة لم يقبل الإمام مالك رحمهالله تعالى من المنصور أولا ولا من هارون الرشيد ثانيا أن يحمل المسلمين على العمل بكتبه ولا بالموطأ الذى هو أصح ما رواه من الأخبار المرفوعة وآثار الصحابة وواطأه عليه جمهور من علماء عصره
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
