(بين) فى موضع رفع وهى منصوبة. فمن رفعها جعلها بمنزلة قوله (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)
وقوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [٢٠] نصبت الظن بوقوع التصديق عليه. ومعناه أنه قال (فَبِعِزَّتِكَ (١) لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال الله : صدّق عليهم ظنّه لأنه إنما قاله بظنّ لا بعلم. وتقرأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) نصبت الظن على قوله : ولقد صدق عليهم فى ظنّه. ولو قلت : ولقد صدق عليهم إبليس ظنّه ترفع إبليس والظنّ كان صوابا على التكرير : صدق عليهم ظنّه ، كما قال (يَسْئَلُونَكَ (٢) عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) يريد : عن قتال فيه ، وكما قال (ثُمَ (٣) عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) ولو قرأ قارئ ولقد صدق عليهم إبليس ظنّه يريد : صدقه ظنّه عليهم كما تقول صدقك ظنّك والظنّ يخطىء ويصيب.
وقوله : (وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ) [٢١] يضلّهم به حجّة ، إلّا أنّا سلّطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة.
فإن قال قائل : إنّ الله يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه. قلت : مثل هذا كثير فى القرآن. قال الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ (٤) حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وهو يعلم المجاهد والصّابر بغير ابتلاء ، ففيه وجهان. أحدهما أنّ العرب تشترط للجاهل إذا كلّمته بشبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهى عالمة ؛ ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم. من ذلك أن يقول القائل : النّار تحرق الحطب فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار ، ويقول العالم : سنأتى بحطب ونار لنعلم أيّهما يأكل صاحبه فهذا وجه بيّن. والوجه / ١٥٣ ا الآخر أن تقول (لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) معناه : حتى نعلم عندكم (٥) فكأن الفعل لهم فى الأصل. ومثله مما يدلّك عليه قوله (وَهُوَ الَّذِي (٦)
__________________
(١) الآيتان ٨٢ ، ٨٣ سورة ص
(٢) الآية ٢١٧ سورة البقرة.
(٣) الآية ٧١ سورة المائدة.
(٤) الآية ٣١ سورة محمد.
(٥) أي فى المتعارف عندكم أن العلم يكون بوسيلة تؤدى إليه.
(٦) الآية ٢٧ سورة الروم.
![معاني القرآن [ ج ٢ ] معاني القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4447_maani-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)