المنافقين بيعته وظنّهم السوء بالله بقوله : ﴿سَيَقُولُ لَكَ﴾ المنافقون ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ والمتقاعدون عن الخروج مع النبي صلىاللهعليهوآله ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾ قيل : هم أسلم (١) . وقيل : جهنية ومزينة وغفّار ، فانّهم استنفرهم رسول الله صلىاللهعليهوآله عام الحديبية فتخلّفوا ، واعتلّوا بعد مراجعة النبي صلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، واعتذروا بأنّا (٢)﴿شَغَلَتْنا﴾ ومنعتنا عن متابعتك في سفرك ﴿أَمْوالُنا﴾ التي تكون بأيدينا ، فانّا لو كنّا خرجنا معك تلفت وتشتّت وفاتت عنّا منافعها ، وكذا منعتنا عيالاتنا ﴿وَأَهْلُونا﴾ عن الخروج ، فانّه لم يكن لنا من يخلفنا فيهم ، ويقوم بامورهم ومصالحهم ، ويحميهم عن الضياع والهلاك ، مع أنّ حفظهم أهمّ الامور ، وإن كان في القعود عنك ذنب وتقصير منّا ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ ربّنا ليغفر لنا ذلك الذنب والتقصير.
ثمّ كذّب سبحانه اعتذارهم ، وطلب استغفارهم بقوله : ﴿يَقُولُونَ﴾ لك ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ وأفواههم ﴿ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الايمان والعذر والنّدم ، بل ما أقعدهم إلّا الشكّ والنفاق وسوء الظنّ بالله ، حيث كانوا يقولون : إنّ قريش كانوا يقاتلون عن باب المدينة ، فكيف حالهم إذا دخل المسلمون في بلادهم.
ثمّ أمر الله رسوله بإبطال عذرهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ، إن كنتم تخلّفتم لحفظ أموالكم وأهليكم ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ ويقدّر لأجلكم ﴿مِنَ﴾ مشيئة ﴿اللهِ﴾ وقضائه ﴿شَيْئاً﴾ يسيرا من النفع ﴿إِنْ أَرادَ﴾ الله ان يحل ﴿بِكُمْ ضَرًّا﴾ من هلاك الأهل والمال وضياعهما حتى تتخلّفوا عن رسول الله صلىاللهعليهوآله لحفظهما ودفع الضرر الوارد عليكم بتلفهما ﴿أَوْ﴾ من يقدر على إضراركم إن ﴿أَرادَ﴾ الله أن يوصل ﴿بِكُمْ نَفْعاً﴾ من حفظ أموالكم وأهليكم ، فاذا كان الضرر والنفع بارادة الله ومشيئته ، فلا ينفع القعود عن متابعة النبي صلىاللهعليهوآله في حفظ أموالكم وأهليكم من الضّياع ، ولا يؤثر خروجكم في هلاكهما ، ليس الأمر كما تقولون ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال التي من جملتها تخلّفكم عن النبي صلىاللهعليهوآله ﴿خَبِيراً﴾ وبصيرا.
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي
قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا
أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٢) و (١٣)﴾
ثمّ أخبر سبحانه بما في قلوبهم بقوله : ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ وتوهّمتم أيّها المتخلّفون لعدم إيمانكم ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ ولن يرجع ﴿الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ به الذين اتّبعوه في الخروج إلى مكّة ﴿إِلى أَهْلِيهِمْ﴾ وعشائرهم الذين كانوا في المدينة ﴿أَبَداً﴾ وأصلا ، وتخيّلتم إن كنتم معهم أن يصيبكم مثل ما
__________________
(١و٢) تفسير البيضاوي ٢ : ٤٠٨ ، تفسير أبي السعود ٨ : ١٠٦ ، تفسير روح البيان ٩ : ٢٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
