بالعزّة في مقام ذكر العذاب والانتقام.
روي أنّ عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، قال : هب أنّ محمدا هزم اليهود وغلب عليهم ، فكيف استطاعته بفارس والروم ؟ فقال الله تعالى : ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهم أكثر عددا وأقوى من فارس والروم (١) .
ثمّ إنّه تعالى بعد بشارة رسوله صلىاللهعليهوآله بالفتح ، بيّن مناصبة الجليلة الموجبة لغاية الإلطاف بقوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ﴾ يا محمد ، وبعثناك على أمّتك لتكون ﴿شاهِداً﴾ على تصديق من صدّقك ، وتكذيب من كذّبك وعصى من أمّتك يوم القيامة ، أو شاهدا بين الناس على وحدانية الله كما في آية ﴿شَهِدَ اللهُ﴾(٢)﴿وَمُبَشِّراً﴾ للمؤمنين المطيعين بالثواب ﴿وَنَذِيراً﴾ للكفّار والعاصين بالعذاب.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * إِنَّ الَّذِينَ
يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى
نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٩) و (١٠)﴾
ثمّ وجّه سبحانه الخطاب إلى الناس ، وبيّن غاية الإرسال والتبشير بقوله : ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ أيّها الناس ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الذي أرسله إليكم ، وتنصروا الله ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ وتقوّوه بتقوية رسوله ونصرة دينه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وتعظّموه بإطاعة أوامره والسجود له ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ وتنزّهوه من كلّ ما لا يليق به بقوله سبحان الله ﴿بُكْرَةً﴾ وصباحا ﴿وَأَصِيلاً﴾ ومساء وغدوّا وعشيا.
قيل : إنّما خصّ سبحانه الوقتين بالتسبيح ، لشرافتهما ، ولظهور آثار القدرة فيهما ، ولذا ورد عن الأئمّة الأطهار عليهالسلام تأكّد استحباب التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (٣) .
وقيل : لما كان المشركون يجتمعون لعبادة الأصنام في الكعبة في الوقتين ، أمر الله عباده بخلاف ما كان عليه المشركون (٤) .
وعن ابن عباس : اريد من التسبيح بكرة صلاة الفجر ، وبالأصيل صلاة الظهر والعصر (٥) .
وقيل : اريد بالبكرة صلاة الفجر ، وبالأصيل بقية الصلاة (٦) .
وقيل : إنّ ذكر الوقتين كناية عن الدوام (٧) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٩ : ١٦.
(٢) آل عمران : ٣ / ١٨.
(٣) وسائل الشيعة ٧ : باب ٢٥ و٤٧.
(٤) تفسير الرازي ٢٨ : ٨٦.
(٥) تفسير أبي السعود ٨ : ١٠٦ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٨.
(٦) تفسير روح البيان ٩ : ١٨.
(٧) تفسير الرازي ٢٨ : ٨٦ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
