على أن يرجع ويعود من قابل ، ويقيم ثلاثا ، فبعثوا سهيلا ومكرز أو حويطب بن عبد العزّى إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله للصّلح ، فلمّا رآه مقبلا قال : « أراد القوم الصّلح » فلمّا أراد الرسول صلىاللهعليهوآله الصّلح لم يرض بعض الأصحاب به ، وقالوا : علام نعطي الدنية في ديننا ، ونحن المسلمون ، وهم مشركون ؟ فأشار صلىاللهعليهوآله بالرضا ومتابعة الرسول.
ثمّ دعا عليا عليهالسلام ، فقال : « اكتب بسم الله الرحمن الرحيم » . فقال سهيل : لا نعرف هذه ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فكتبها لأنّ قريشا كانت تقولها.
ثمّ قال : « اكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو » . فقال سهيل : لو شهدت أنّك رسول الله لم اقاتلك ، ولم اصدّك عن البيت ، ولكن اكتب اسمك وأسم أبيك. فقال صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام : « امح رسول الله » . فقال علي عليهالسلام : « والله لا أمحوك ». فقال : « أرنيه » فأراه إياه ، فمحاه رسول الله صلىاللهعليهوآله بيده الشريفة ، وقال : « اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو » وقال : « أنا والله رسول الله ، وإن كذّبتموني » .
وكان الصّلح على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، ومن أتى من قريش ممّن هو على دين محمد صلىاللهعليهوآله بغير إذن وليه ردّه إليه ذكرا كان أم انثى ، ومن أتى قريشا ممّن كان مع محمدا ذكرا كان أو انثى لم ترده إليه ، ومن أحبّ أن يدخل في عقد محمد صلىاللهعليهوآله وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، وأنّ بيننا وبينكم عيبة مكفوفة (١) ، لا إسلال ولا إغلال (٢) ، وأنّ محمدا صلىاللهعليهوآله يرجع عامة هذا ، فلا يدخل مكّة ، وإذا كان عام قابل خرج منها قريش ودخلها محمد بأصحابه ، وأقاموا بها ثلاثة أيام معهم سلاك الراكب السيوف في القرب والقوس ، لا يدخلونها بغيرهما.
فلمّا فرغ رسول الله صلىاللهعليهوآله من الصّلح ، وأشهد عليه رجالا من المسلمين ، قام إلى هدية فنحره ، وفرّق لحمه على الفقراء ، فلمّا رأى المسلمون الصّلح وما تحملّه رسول الله صلىاللهعليهوآله ، دخلهم من ذلك أمر عظيم ، وكانوا لا يشكّون في دخولهم مكّة وطوافهم بالبيت ذلك العام للرؤيا التي رآها النبي صلىاللهعليهوآله ، وقال عمر : ألم تقل إنّك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قال المسلمون : لا ، قال صلىاللهعليهوآله : « فهو كما قال جبرئيل ، إنّكم تأتونه وتطوفون به » (٣) .
وروي أنه صلىاللهعليهوآله لمّا دخل في العام القابل ، وحلق رأسه ، قال : « هذا الذي وعدتكم » فلمّا كان يوم
__________________
(١) أي صدورا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة. أو منطوية على الوفاء بالصلح.
(٢) أي لا سرقة ولا خيانة.
(٣) تفسير روح البيان ٩ : ٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
