الأمّارة ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وقبيح فعله كالشرك وغيره من المعاصي ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ بسبب ذلك التزيين ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ الزائغة ، وانهمكوا في فنون الضلالات من غير شبهة توهم صحّة ما عليه ، لا والله لا تساوي بينهما عند الله ، وإفراد ضمير ( له ) و( عمله ) باعتبار لفظ ( من ) وجمع ضمير ( اتبعوا ) و( اهوائهم ) باعتبار معناه.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ
يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾
ثمّ بعد بيان الفرق بين الفريقين عنده ، بيّن عاقبتهما في الآخرة بقوله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ والمؤمنون العاملون بوظائف الايمان من قبل الله على لسان رسوله صلىاللهعليهوآله ووصفها العجيب الشأن أن ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ كثيرة ﴿مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ وغير متغيّر الطّعم واللون والرائحة بطول المكث في منابعه وأوانيه ، مع أنّ مياه الدنيا تتغيّر ﴿وَأَنْهارٌ﴾ كثيرة ﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بالحموضة وغيرها من الطّعوم المكروهة ﴿وَأَنْهارٌ﴾ كثيرة ﴿مِنْ خَمْرٍ﴾ ومسكر عنبي أو غيره ﴿لَذَّةٍ﴾ ولذيذة ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ كلّهم ، ليس فيها كراهة طعم وريح وخمار (١) ، وغائلة سكر وغمار (٢) ، على خلاف خمر الدنيا.
وقيل : إنّ ( لذة ) مصدر وصف به الخمر للمبالغة (٣) .
﴿وَأَنْهارٌ﴾ كثيرة ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ من الشّمع وفضلات النحل وغيرها غير مختلطة بشيء منها. قيل : إنّ الفرق بين الخالص والمصفّى ، أنّ الأول يقال لما زال عنه شوبه ، والثاني يقال لما لا شوب فيه أصلا (٤) .
قيل : إنّما وصف الجنّة بما يستلذّ من أشربة الدنيان لغاية شوق العرب إلى هذه المائعات المجرّدة عمّا ينقصها وينغّصها ، مع وصفها بالغزارة والاستمرار ، وإنّما قدّم أنهار الماء لغرابتها في الحجاز ، وشدّة حاجة العرب إليها ، وإنّما ثنى باللّبن لكون حاجتهم إليه بعد الماء أكثر ، ثمّ ثلّثه بالخمر لكونها
__________________
(١) الخمار : صداع الخمر وأذاها.
(٢) يقال : اغتمر السكر فلانا : غطّى على عقله وستره.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٥٠٦.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٥٠٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
