ثمّ بعد حكاية أقواله السيئة ، حكى سبحانه أفعاله الشنيعة بقوله : ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا﴾ بنعمة ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أبطرته و﴿أَعْرَضَ﴾ عن الشكر ، وكفر بتلك النعمة ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ وتباعد بكلّيته عن التّوجّه إلى منعمه تكبّرا وتعظّما ، وتولّى بركنه عن طاعة ربّه ﴿وَإِذا مَسَّهُ﴾ وأصابه ﴿الشَّرُّ﴾ والضرر ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ وتضرّع طويل.
ثمّ بعد إثبات التوحيد ، وحكاية إعراض المشركين عن القرآن ومجادلتهم ، وتهديدهم بالعذاب ، أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بالترغيب إلى الايمان بالقرآن بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، لهؤلاء المشركين المعرضين عن القرآن ﴿أَ رَأَيْتُمْ﴾ وأخبروني أيّها العقلاء ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ونازلا منه ، ثمّ أنتم ﴿كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ من غير نظر وتدبّر مع وضوح كونه منه بأدنى نظر ، ألستم في شقاق من الله وعناد معه ؟ و﴿مَنْ أَضَلُ﴾ وأبعد من طريق الحقّ ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ كائن ﴿فِي شِقاقٍ﴾ وخلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الوفاق ، ومعاداة بعيدة عن الموالاة.
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٣) و (٥٤)﴾
ثمّ لمّا كان عمدة أسباب إعراض المشركين عن القرآن نهيه عن الشرك ، ودعوته إلى التوحيد ، بيّن سبحانه أنّ جميع الموجودات أدلّة التوحيد بقوله تعالى : ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ وأدلّة توحيدنا أنّا بعد آن ومرة بعد اخرى بذكر أحوال الموجودات ﴿فِي الْآفاقِ﴾ وأقطار السماوات والأرض ، والتنبيه على ما فيها من عجائب الصّنع ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وعجائب خلقتهم وأحوالهم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ويتّضح ﴿لَهُمْ﴾ توحيد خالقها ، و﴿أَنَّهُ الْحَقُ﴾ الذي لا يمكن للعاقل الترديد فيه ﴿أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ ولم يغنه عن إراءة الآيات أن يروا بفكرهم ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ وكلّ موجود من النّقير القطمير ﴿شَهِيدٌ﴾ وناظر ، يدبّره كيف يشاء على وفق صلاحه ، كما قيل : سبحان من هو عند كلّ شيء وقبله وبعده (١) .
وروي أنّه ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه (٢) .
وعن الصادق عليهالسلام : « العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، فما فقد من العبودية وجد في الربوبية ، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية. قال الله : ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ إلى قوله : ﴿شَهِيدٌ﴾ أي موجود في غبيتك وحضرتك » (٣) .
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٨٤.
(٣) مصباح الشريعة : ٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
