عن ابن عباس : يمقتهم الذين آمنوا بذلك الجدال (١) ، وليس هذا الجدال إلّا من طبع القلب و﴿كَذلِكَ﴾ الطبع الفظيع ﴿يَطْبَعُ اللهُ﴾ ويختم ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ عن أتباع الرسل ، أو قبول الحقّ ﴿جَبَّارٍ﴾ ومتعال على الناس بغير حقّ ، أو ظالم عليهم.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ * أَسْبابَ
السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ
عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ * وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ
اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٦) و (٣٨)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان تكبّر فرعون وتجبّره ، بيّن غاية حمقه وجهله بقوله : ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ لوزيره هامان عتوّا واستكبارا وحمقا : ﴿يا هامانُ﴾ قيل : إنّ اللعين في أثناء مواعظ حزقيل (٢) أراد قطع كلامه خوفا من أن يؤثّر في القلوب ، فدعا هامان ، وقال له (٣) : ﴿ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ وبناء عاليا مشيدا بالآجر ﴿لَعَلِّي﴾ بالصعود عليه ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبابَ﴾ وأصل إلى الطّرق الموصلة إلى مقصودي ، أعنى ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ وطرقها من سماء إلى سماء عن ابن عباس ، قال : منازلها (٤)﴿فَأَطَّلِعَ﴾ واستعلى عليه لانظر ﴿إِلى إِلهِ مُوسى﴾ لأنّه يمتنع العلم بصدق موسى إلّا برؤية إلهه ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ في دعوى أنّه مرسل من قبله ﴿كاذِباً﴾ فاشتغل هامان ببنائه ، كما مر في سورة القصص (٥).
وقيل : إنّه قال ذلك تمويها (٦) . وقيل : إنّه لم يرد بناء الصرح ، لعلم كلّ عاقل بانّه يمتنع بناء صرح يتمكّن بالصعود عليه من دخول السماوات ، بل كان مقصوده بيان امتناع رؤية إلهه ، فلا يمكن العلم بوجوده (٧).
وقيل : إنّ الله أعماه وخلّاه نفسه ، ليتفرّغ لبناء الصّرح ، ليرى منه آية اخرى له ، ويتأكّد استحقاقه العقوبة بذلك (٨) ، كما أشار إليه تعالى بقوله : ﴿وَكَذلِكَ﴾ التزيين البليغ ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وشنيع فعله ، فانهمك فيه انهماكا لا يرعوي عنه ﴿وَصُدَّ﴾ ومنع ﴿عَنِ﴾ سلوك ﴿السَّبِيلِ﴾ المنتهي إلى الخير والصّلاح ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ ومكره ببناء الصرّح ، وسعيه في إبطال الآيات ﴿إِلَّا فِي تَبابٍ﴾ وخسار وهلاك.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ١٨١.
(٢) في تفسير روح البيان : خربيل.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٣.
(٤) مجمع البيان ٨ / ٨١٥.
(٥) القصص : ٢٨ / ٣٨.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٣.
(٧) تفسير الرازي ٢٧ : ٦٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٨٣.
(٨) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
