البطن ، وظلمة الرّحم (١) .
﴿ذلِكُمُ﴾ القادر الحكيم ﴿اللهُ﴾ وهو ﴿رَبُّكُمْ﴾ ومكمّل وجودكم في تلك الأطوار وما بعدها ، أو مالككم المنعم عليكم في جميع العوالم ، المستحقّ لعبادتكم و﴿لَهُ﴾ وحده ﴿الْمُلْكُ﴾ والسّلطنة المطلقة الكاملة لا لغيره ، فاذن ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ ولا معبود سواه ، فاذا عرفتم خالقكم ومالككم والمنعم عليكم ، والسلطان المقتدر عليكم ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ وكيف تردون عن عبادته ، وتعرضون عن إطاعته ، وتشتغلون بعبادة الأصنام والجمادات ؟ !
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ
لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾
ثمّ أنتم - أيّها الناس - بعد الإحاطة بما تلونا عليكم من آيات وحدانيته وقدرته وحكمته ، وتنزّهه عن الشريك والولد ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ بوحدانيته ونعمه ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ بذاته ﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ وعن إيمانكم وعبادتكم ، بل عن العالمين ، فانّه واجب الوجود من جميع الجهات ، وكامل الصفات بالذات ، لا يتصوّر فيه الحاجة حتى يقضي بكم حاجته ، ﴿وَ﴾ لكن ﴿لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لطفا بهم ورحمة عليهم ، حيث إنّ الكفر يضرّهم ويسقطهم عن أهلية الرحمة والإنعام ، ويحرمهم عن الفيوضات الابدية الدنيوية والاخروية. القمي : هذا كفر النّعم (٢) .
﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ نعمه بالايمان والقيام بالعبودية ، روي أنّ الشكر الولاية والمعرفة (٣) ، يحبّ الله الشكر و﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لأنّه سبب فوزكم بسعادة الدارين والنشأتين لا لانتفاعه تعالى به.
ثمّ لمّا ذكر سبحانه غضبه وسخطه على الكفر ، نبّه بأنّ ضرره وتبعاته لا تتعدّى الكافر ، ولا تسرى إلى غيره بقوله : ﴿وَلا تَزِرُ﴾ ولا تحمل نفس ﴿وازِرَةٌ﴾ وحاملة للكفر وثقل العصيان ﴿وِزْرَ﴾ نفس ﴿أُخْرى﴾ وحملها من الذنب والمعصية ، بل كلّ نفس تحمل وزر نفسها ويعاقب عليه ﴿ثُمَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾ ومالك أمركم وحده ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ ومصيركم بالبعث والنشور ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ ويخبركم عند ذلك ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والايمان والطاعة والعصيان بالمحاسبة والمجازاة ، والثواب والعقاب ، وفيه غاية التهديد على الكفر.
__________________
(١) مجمع البيان ٨ : ٧٦٦ ، تفسير الرازي ٢٦ : ٢٤٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٧٥.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٢٤٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٥.
(٣) المحاسن : ١٤٩ / ٦٥ ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
