و﴿كَفَّارٌ﴾ ومبالغ في تضييع حقوق نعم الله ، أو مصرّ في كفرهم وعبادتهم غير الله.
﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ
الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ
النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ
الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٤) و (٥)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد تهديد المشركين شرع في إبطال مذاهبهم التي منها القول بأنّ الملائكة بنات الله بقوله : ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ﴾ ويختار لنفسه ﴿وَلَداً﴾ كما زعمه بعض المشركين واليهود والنصارى ﴿لَاصْطَفى﴾ وانتخب ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ ويقدر على اتخاذ ﴿ما يَشاءُ﴾ أن يكون ولده ، ومن الجواهر القدسية والعقول المجرّدة ، لا عيسى ومريم وعزير ، ولا البنات التي تكرهونها لأنفسكم ﴿سُبْحانَهُ﴾ وتقدّس ذاته عمّا نسبوا إليه من الولد ، لا متناعه له ، بل ﴿هُوَ اللهُ﴾ الواجب الوجود ﴿الْواحِدُ﴾ من جميع الجهات لا تركيب له ولا ثاني له ولا صاحبة ولا ولد ، هو ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي يقهر جميع الموجودات بقدرته ، فلا يحتاج إلى ولد يعاونه في الامور ويقوم مقامه بعد الموت.
ثمّ أكّد سبحانه كمال قدرته وغناءه بقوله : ﴿خَلَقَ﴾ بقدرته الكاملة ، بلا مشارك ولا معاون ﴿السَّماواتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما ، والحال أنّ خلقها ﴿بِالْحَقِ﴾ والحكمة البالغة ، لا بالعبث والباطل و﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ ويغلبه ﴿عَلَى النَّهارِ﴾ بحيث يذهب النهار عن الأبصار ﴿وَيُكَوِّرُ﴾ ويغلب ﴿النَّهارِ﴾ بنوره ﴿عَلَى اللَّيْلِ﴾ المظلم بحيث يزيل ظلمته ، فشبّه سبحانه النور والظلمة بعسكرين مهيبين عظيمين قد يغلب هذا ذاك ، وقد يغلب ذاك هذا. وقيل : إنّ التكوير بمعنى الإقبال (١) ، وعلى أي تقدير اريد زيادة أحدهما ونقص الآخر ، وذلك دليل على كونهما تحت تدبيره وقدرته ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ التي هي سلطان النهار ﴿وَالْقَمَرَ﴾ الذي هو سلطان الليل ، وذلّلهما تحت قدرته وسلطانه ، وجعلهما منقادين لأمره وإرادته ، فبارادته ﴿كُلٌ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ ويسير في الفلك على وفق صلاح العالم ﴿لِأَجَلٍ﴾ ووقت ﴿مُسَمًّى﴾ ومعين قدّره الله بحكمته ، وهو منتهى دورته في كلّ يوم ، أو في كلّ شهر أو منتهى حركته وسيره ، وهو يوم القيامة الذي فيه تطوى السماء كطيّ السّجّل للكتب.
ثمّ لمّا ذكر سبحانه الآيات العظيمة على قدرته الكاملة ، أعلن في الناس بانحصار القدره في ذاته
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٤٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
