فعاد كلّ إلى أصله وعنصره ، آدم إلى أصله الطيب الشريف ، واللّعين إلى أصله الرديء الخبيث.
ومنها : أنّ النار وإن كان لها بعض المنافع كالطبخ والتسخين والاستضاءة بها ، إلّا أن الشرّ كامن فيها ، لا يصدّها عنه إلّا قسرها وحبسها ، ولو لا ذلك لأفسدت الحرث والنسل ، وأمّا التراب فالخير والبركة كامن فيه ، كلّما اثير وقلب ظهر خيره وبركته وثمرته.
ومنها : أنّ الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه ، وأخبر عن منافعها ، وأنّه جعلها ، مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ، ودعا عباده إلى التفكّر فيها ، والنظر في آياتها وعجائبها وما أودع فيها ، ولم يذكر النار إلّا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب ، إلّا موضعا أو موضعين ذكرها فيه بأنّها تذكرة ومتاع للمقوين ، تذكرة بنار الآخرة ، وتمتّع الآخرة ، وتمتّع بها بعض الناس ، وهم النازلون بالقواء ، وهي الأرض الخالية ، إذا نزل بها المسافر ، فانّه يتمتّع بالنار في منزله.
ومنها : أنّ الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه عموما ، كما في قوله : ﴿وَبارَكَ فِيها﴾(١) وخصوصا كما في قوله : ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾(٢) الآية ، ونحوها. وأمّا النار فلم يخبر أنّ فيها بركة ، بل المشهور أنّها مذهبة للبركات.
ومنها : أنّ الله جعل الأرض محلّ بيوته التي يذكر فيها اسمه ويسبّح له فيها بالغدوّ والآصال عموما ، وبيته الحرام الذي جعله قياما للناس مباركا وهدى للعالمين خصوصا ، فلو لم يكن في الأرض إلّا بيته الحرام لكفاها شرفا وفخرا على النار.
ومنها : أنّ الله أودع في الأرض من المعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها ، والجبال والرّياض والمراكب البهيّة والصور البهيجة مالم يودع في النار.
ومنها : أنّ غاية النار أنّها وضعت خادمة لما في الأرض ، فانّ محلّها محلّ الخادم لهذه الأشياء فهي تابعة لها ، فاذا استغنت عنها طردتها ، وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمه (٣) .
فلمّا أظهر اللّعين التكبّر على آدم ﴿قالَ﴾ الله تعالى : ﴿فَاخْرُجْ﴾ يا إبليس من الجنّة ، أو من السماوات ، أو من بين الملائكة ، وابعد ﴿مِنْها﴾ قيل : تبيعده بإهباطه إلى الأرض (٤) .
ثمّ بيّن سبحانه علّة أمره بخروجه بقوله : ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ومطرود من ساحة رحمتي وكلّ خير وبركة ، وإنّما كنّى عن الطرد بالرجم ، لأنّ كلّ مطرود مهان يرجم بالحجارة. وقيل : إنّ المراد مرجوم
__________________
(١) فصلت : ٤١ / ١٠.
(٢) الأنبياء : ٢١ / ٧١.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٦٢.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
