واستمرّ هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضاً ، فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدّة قائلاً : «أمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالهما» (١).
وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البيّنتين من كتابه السرائر عدداً من المرجّحات لإحدى البيّنتين على الأخرى ثم يعقّب ذلك قائلاً : «ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا» (٢).
وهكذا تدلّ هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيراً عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدّم إلى أوائل القرن السابع ، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لوناً مقيتاً وطابعاً من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.
ولكن كلمة الاجتهاد تطوّرت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ، ولا يوجد لدينا الآن نصّ شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخاً من كتاب المعارج للمحقّق الحلّي المتوفّى سنة ٦٧٦ ه ـ ، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول : «وهو في عرف الفقهاء : بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع
__________________
(١) عدّة الأصول ، شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : محمد رضا الأنصاري القمي ، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه ـ قم : ج ١ ، ص ٣٩
(٢) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى ، الشيخ الفقيه أبي جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، الطبعة الثانية ، ١٤١٠ ه ـ قم : ج ٢ ، ص ١٧٠.
