الشرح
بعد أن اتضح أن عملية استنباط الحكم الشرعي لا تتمّ إلا بمعرفة العناصر المشتركة علم الأصول ، ومعرفة العناصر الخاصة علم الفقه ، نريد هنا معرفة مدى الحاجة والتأثير القائم بين هذين العلمين ، وأنها آحادية الطرف أم أنها حاجة متبادلة وتأثير متبادل ، بحيث إن أحدهما يؤثّر في الآخر ، فيؤدّي إلى إثرائه وتطوّره وتقدّمه.
عُقد هذا البحث لبيان التفاعل الفكري بين الأصول والفقه ، ومدى احتياج أحدهما إلى الآخر ، ومن المعلوم أن مورد الحاجة والتأثير ليس شيئاً واحداً وإلا لزم الدور ، بل مورد الاحتياج والتأثير في أحدهما غير الآخر.
وبيان مدى التفاعل بين هذين العلمين ، يمكن الإشارة إليه من خلال ذكر بعض المقدمات :
المقدمة الأولى : إن الفقيه خلال ممارسته لاستنباط الأحكام الشرعية يجد أن هناك جملة من العناصر المشتركة تدخل عملية الاستنباط ، وفي أبواب فقهية متعددة ، وقد أخذت هذه العناصر المشتركة تتبلور بمرور الزمن من خلال عقد بحث مستقلّ لها ، لئلّا يضطر الفقيه لبحثها عند كل باب فقهي ، فوُجِد علم الأصول ، وهذا يفسِّر لنا معنى أن علم الأصول نشأ في أحضان علم الفقه.
المقدمة الثانية : إن الحاجة لعلم الأصول ـ كما مرّ بيانه ـ تتجلّى أكثر فأكثر كلّما ابتعدنا عن عصر النصّ والتشريع ؛ وذلك لاكتناف الغموض كثيراً من الأحكام الشرعية ، وهذا مما يجعل عملية الاستنباط أكثر تعقيداً ، فنُلزَم بإيجاد ضوابط عامة وقواعد مشتركة ، ومناهج تفكير صحيحة من أجل
