وكان أصل البراءة يوسّع ويرخّص ، فعندئذ لو حصل تعارض بين خبر الثقة وبين أصل البراءة فأيهما يقدم؟
ومثاله : إن دلالة خبر الثقة على حرمة ارتماس الصائم في الماء خبر ظني ، وقد قام الدليل القطعي على اعتباره ، ويمكن للفقيه الإفتاء بحرمة الارتماس وفق الدليل الظني المعتبر ، ولكن عند لحاظ حرمة الارتماس على الصائم بوصفها شكاً بدوياً ، وتكليفاً غير معلوم ، نجدها تقع موضوعاً لدليل البراءة : رفع ما لا يعلمون ، فيمكن للفقيه الإفتاء بالجواز وفق الأصل العملي الذي هو البراءة.
فهنا على الفقيه تحديد موقفه من حرمة الارتماس على الصائم إما وفق الدليل الظني المعتبر ، فيفتي بحرمة الارتماس ، وإما وفق الأصل العملي الذي هو البراءة. ويسمي الأصوليون الدليل الظني بالأمارة ، ويطلقون على هذه الحالة التعارض بين الأمارات والأصول.
تقديم الأمارات على الأصول
لا شكّ في هذه الحالة لدى الأصوليين في تقديم خبر الثقة على البراءة ، لأنه بعد قيام الدليل القطعي على حجّية خبر الثقة الظني يؤدي نفس الدور الذي يقوم به الدليل القطعي ، وكما أن الدليل القطعي لا يترك مجالاً لموضوع الأصل الذي هو الشك والجهل ، فكذلك الدليل الظني يرفع موضوع الأصل ، فلا تصل النوبة إليه لكي يتمسك به ، وهذا هو معنى الحكومة ، ومن هنا يقال عادة : إن الأمارة حاكمة على الأصل العملي.
أضواء على النص
* قوله قدسسره : «القواعد العملية إنما تجري في ظرف الشكّ» أي بعد القطع بالحكم الشرعي لا مجال لإجراء الأصول العملية.
