الشرعية ، بل اتفقت كلمتهم على ذلك ، ولكن الكلام في منشأ التقديم ، وقد ذكر المصنّف قدسسره الرأي السائد لمنشإ التقديم وهو حكومة الاستصحاب على البراءة (١).
حكومة الاستصحاب على البراءة
اتضح مما سبق معنى الحكومة ، وهي أن الدليل الحاكم يتصرّف في موضوع الدليل المحكوم ، وفي المقام نريد أن نعرف كيفية حكومة الاستصحاب على دليل أصالة البراءة.
إن مفاد دليل أصالة البراءة هو : رفع ما لا يعلمون أي أن الشارع أمرنا بإجراء هذا الأصل في كل مورد لا نعلم حكمه ، سواء كان عدم علمنا عن جهل أو شك ، ولا تجري البراءة في مورد العلم ، وإن مفاد دليل الاستصحاب هو : لا تنقض اليقين بالشك أي استصحب الحالة السابقة ولا تعتنِ بالشك اللاحق ، فيفرض أن المكلّف الشاك على يقين من الناحية العملية ، فإذا صار المكلّف الشاك بواسطة الاستصحاب عالماً ، فلا شكّ أنه يرفع موضوع دليل أصالة البراءة الشرعية ، لأن موضوع جريان البراءة هو ما لا يعلم والمفروض أن المستصحب عالم ولو بتوسط التعبد الشرعي ، وبحكم الشارع بالالتزام بالحالة السابقة التي هي اليقين.
وبعبارة أخرى : إن أصل الاستصحاب يقول للمكلف : أنت عالم ، وإن كان علمك بواسطة التعبد الشرعي ، وأصل البراءة يقول للمكلف : عليك أيها المكلّف إجراء البراءة في مورد عدم العلم.
النتيجة : إن دليل الاستصحاب يجعل المكلّف عالماً ، فيرفع موضوع دليل البراءة.
وهذا معنى أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل البراءة ، وذلك برفعه موضوع دليل البراءة.
__________________
(١) سيأتي في دراسات أعلى أن المصنّف قدسسره لا يرتضي هذا التبرير.
