٢. التعارض بين الأصول
وأما التعارض بين الأصول فالحالة البارزة له هي التعارض بين البراءة والاستصحاب ، ومثالها أنا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتى غروب الشمس ، ونشك في بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة ، ففي هذه الحالة تتوفّر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أولاً والشك في بقائه ثانياً ، وبحكم الاستصحاب يتعين الالتزام عملياً ببقاء الوجوب.
ومن ناحية أخرى نلاحظ أن الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراءة ، لأنها شبهة بدوية في التكليف غير مقترنة بالعلم الإجمالي ، وأصل البراءة ينفي وجوب الاحتياط ، ويرفع عنا الوجوب عملياً ، فبأيّ الأصلين نأخذ؟ والجواب أنا نأخذ بالاستصحاب ونقدمه على أصل البراءة ، وهذا متفق عليه بين الأصوليين.
والرّأي السائد بينهم لتبرير ذلك أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراءة ، لأن دليل أصل البراءة هو النص النبوي القائل «رفع ما لا يعلمون» وموضوعه كل ما لا يعلم ، ودليل الاستصحاب هو النص القائل «لا ينقض اليقين أبداً بالشك» وبالتدقيق في النصَّين نلاحظ أن دليل الاستصحاب يلغي الشك ويفترض كأنَّ اليقين باقٍ على حاله ، فيرفع بذلك موضوع أصل البراءة.
ففي مثال وجوب الصوم ، لا يمكن أن نستند إلى أصل البراءة عن وجوب الصوم بعد غروب الشمس بوصفه وجوباً مشكوكاً ، لأن الاستصحاب يفترض هذا الوجوب معلوماً ، فيكون دليل الاستصحاب حاكماً على دليل البراءة ، لأنه ينفي موضوع البراءة.
