الشرح
تشكّل الأصولُ العملية النوعَ الثاني من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، وقد تقدّم الفرق بينها وبين النوع الأول الأدلّة المحرزة واتّضح أيضاً أن كلَّ ما يرِد في الشريعة من حكم ، إنما هو بيان للموقف العملي بالنسبة إلى المكلّف ، ولكن الموقف العملي الذي بُيّن من قبل الشارع تختلف درجته ، فتارة يكون الموقف على مستوى الدليل المحرز ، وأخرى يكون على مستوى الأصل العملي.
يكشف الدليل المحرز عن الحكم الواقعي ، ولا توجد هذه الكاشفية في الأصل العملي ، وإنما دور الأصل العملي هو بيان وظيفة المكلّف في حالة الشك في الحكم ، كما لو شكّ في حكم شرب التتن ، فإن معرفة الموقف العملي هنا يمرّ بمرحلتين ، الأولى : الرجوع إلى مصادر التشريع من الكتاب والسنّة ، فإن وجد دليلاً يدلّ على الجواز أو الحرمة عمل به ، وإلا فينتقل إلى المرحلة الثانية : وهي الرجوع إلى الأصل العملي.
وهذا الترتّب في البحث إنما هو ترتّب في مقام الاستدلال ، بمعنى : لا يمكن الاعتماد على الأصل العملي إلا بعد بذل الجهد في البحث عن الدليل المحرز ، وإلا فمع وجود دليل محرز ، لا يمكن المصير إلى الأصل العملي.
ومن هنا يتبيّن ـ كما سيأتي في بحث تعارض الأدلّة ـ الوجه في تقديم الأدلّة المحرزة أي الأمارات على الأصول العملية إذا وقع التعارض بينهما.
والأصول العملية أربعة ، هي : البراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط ، والمصنّف قدسسره ذكر على مستوى هذه الحلقة أصلين هما : البراءة والاستصحاب.
