هذا الكلام ترديد لكلام «درمنغام» ، فضلا عن أفكار «أرنست رينان» فى الموسوعة البريطانية ، حيث صور المجتمع العربى في مكة بأنه كان مجتمعا موحدا يعبد الله الواحد ، وكان يصدر عن عقيدة التوحيد.
ثم إن «واط» كشف عن حقيقة منهجه في تناوله للإسلام ، حين قال : «... ذكر الحوادث التاريخية ليس بعيدا عن الاهتمام العقدى ، فإن مؤيدى علم الاجتماع المعرفى يرون أن الأفكار العقدية والفلسفية ذات مرجع سياسى أو اجتماعى» (١).
هكذا (!) الأفكار العقدية مصدرها ـ أحداث سياسية أو اجتماعية ، على كل حال «واط» يزيد موقفه وضوحا وتحديدا ، فيذكر أن عالم الاجتماع العلمانى يقبل آراء المتدينين كحقائق اجتماعية ، وليس كحقائق إيمانية غيبية.
أما كونها حقيقة (خاصة ما يثبت عن طريق الوحى الإلهى) أو غير حقيقية ، فهذا لا يدخل في دائرة اهتمام العالم الاجتماعى. وإنما يهتم بذلك الرجل المتدين ... والأول يتعامل مع هذه العقائد من خلال الواقع المشاهد.
و «واط» يفضل منهج عالم الاجتماع على نظرات المتدين ، باعتبار أن العالم الاجتماعى يعتمد على النظرة الموضوعية ـ حسب زعمه ـ الخالية من ذاتية المتدين لذلك نجده يصور لنا محمدا مصلحا اجتماعيا اشتراكيا أهمه مشاكل قومه الاجتماعية والسياسية والدينية ، ومحمد كاشتراكى أخذ يفكر في طريقة للإصلاح ، فكانت العزلة في غار حراء ، بعيدا عن ضجيج مكة ، وحتى تأتى أيديولوجية محمد متوافقة مع حالة المجتمع.
دوافع العزلة كما تصورها هذا المستشرق أمران :
الأول : الإصلاح الاجتماعى الذى وجده محمد فرصة لتحقيق ما كان يتطلع إليه وانطوت عليه نفسه طويلا وهو رغبته في النبوة (!).
الثانى : ليكفر عن خطاياه ، وهذا يفترض أن محمدا كان ـ وحاشاه ـ فحاشا ، لعانا ، طعانا ، فأراد العزلة لذلك (!).
هل هذه استنتاجات علمية؟ وهل هذه تقنع حتى العقل الأوربى؟ أما العقل المسلم فإنه موقن ، مصدق بما قاله ربنا جل وعلا في شأنه «صلىاللهعليهوسلم» : (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦)) [القصص : ٨٦] أى لم يكن يرجو أن يكون نبيا أو يتلو قرآنا ، ولا يعرف ذلك.
__________________
١ ـ : Britian ، IslamicPhilo SmallandTheology ، W.M.Watt
