مصالح معاشهم الضرورية ويلزم منه فوات مصالح معادهم أيضاً ، وأمّا إذا كان بعضهم في طلب رتبة الفضائل وبعضهم في طلب مصالح المعاش ، ويتساعد بعضهم ببعض فيما هو فيه ، كما هو المشاهد من أشخاص الناس لم يلزم منه محذور ولا يفوته قسط من الرحمة وكلّ ميسّر لما خلق له ، هذا وجه الرحمة ، وأمّا وجه السخط فأن يكون داعي التعليم والتعلم هو الوهم للمراباة وطلب الرئاسة الدنيوية ، وتصحيح المعتقدات الباطلة لا طلب الحقّ بين الآراء المخالفة والمذاهب المتنافية كحال أكثر العلماء في زماننا هذا ـ نعوذ بالله من الانتكاس ونستجير به من الانعكاس ـ وهذا القدرُ كاف في التنبيه على كونِ الاختلافات الأُخر أيضاً رحمةً ، لكن نُتَمِّمُ الكلامَ إيضاحاً فنقول : أمّا اختلافُ العقل العمليّ فوجه كونه رحمةً أنّ النّاس لو تساووا فيه لم يطمع بعضهم بعضاً واستنكف كلّ واحد منهم عن طاعة الآخر لتساويهم في رتبة التدبير والرأي ، وأمّا إذا تفاوتوا فيه احتاج بعضهم إلى بعض فيكون بعضهم وزراءً وبعضهم ملوكاً ، وبعضهم سُوَقةً ، بحسب مراتبهم في عقولهم ، فيترتّبون في الولاية الأكمل فالأكمل ، وفي الطاعة الأنقص فالأنقص ، كأمراء الألوف والمئات وأمراء العشرات ومدبّر الممالك ، ومدبّر الأقاليم ، ومدبّر البلد ومدبّر القرية ، وعلى هذا التقدير ينتظم نظام العالم وتنتفي مفاسد أهل الشرّ والعناد ، ويشتغل كلٌّ بمصالح معاشه ومعاده ، هذا وجه الرحمة. وأمّا وجه السخط فبأن لا يكون التدبير بمقتضى العقل العمليّ بل بمقتضى الروح الشيطانية والسبعية والبهيمية ، فيتولّى الأنقص ويحكم على الأكمل ويطلب بولايته القهر
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)