مصعب (١) .
﴿وَكَذلِكَ﴾ التّمكين البديع والرّفعة التي حصلت ليوسف في قلب العزيز ، حتّى أمر امرأته بإكرام مثواه. أو التّمكين الذي حصل له في منزله ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ وجعلنا له مقاما عاليا ﴿فِي﴾ أهل تلك ﴿الْأَرْضِ﴾ ووجاهة تامّة في أنظار سكنة تلك المملكة ، ومحبوبيّة كاملة في قلوبهم ، ليترتّب على تلك المكانة والوجاهة ما جرى بينه وبين امرأة العزيز ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ ونلهمه مقدارا كافيا ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ وتعبير الرّؤى والمنامات التي عمدتها رؤيا صاحبي السّجن ، ورؤيا الملك. وإنّما أراد إخوته إذلاله وإهلاكه ، وأراد الله إعزازه ورفعة محلّه ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ وقادر على إنفاذ إرادته ، لا دافع لقضائه ، ولا مانع عن إجراء حكمه - في أرضه وسمائه - قيل : إنّ ضمير ﴿أَمْرِهِ﴾ راجع إلى يوسف ، والمعنى : أنّه تعالى غالب على أمر يوسف (٢) - وبيده انتظامه ، لا بسعيه وإرادته ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ زمام جميع الامور بيد الله ، بل يزعمون أنّ لهم فيها دخلا ، ولتدبيرهم فيها تأثيرا ، أو المراد : أنّهم لا يعلمون لطائف صنع الله ، وخفايا فضله.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَراوَدَتْهُ
الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ
رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا
الْمُخْلَصِينَ (٢٢) و (٢٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان صبر يوسف على البلايا والمحن ، ومكافاته بالنّعم الجسمانيّة الظّاهريّه ؛ من التّمكين في قلب العزيز ، وعلوّ منزلته عند أهل مصر ، ذكر مكافاته بالنّعم الرّوحانيّة الباطنيّة بقوله : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وكملت قواه الجسمانيّة والرّوحانيّة ﴿آتَيْناهُ﴾ وأعطيناه ﴿حُكْماً﴾ ونبوّة ، أو حكمة عمليّة ، التي هي الاستيلاء على النّفس ، بحيث يسهل عليه منعها عن اتّباع الهوى ، وارتكاب الرّذائل ﴿وَعِلْماً﴾ كاملا بجميع ما يحتاج إليه النّاس من المعارف والأحكام ، جزاء على حسن صبره ﴿وَكَذلِكَ﴾ الجزاء البديع الجزيل ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ جميعا على أعمالهم الحسنة.
قيل : إنّه عليهالسلام صار نبيّا وله ثلاث وثلاثون سنة (٣) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٨ : ١٠٨ ، تفسير أبي السعود ٤ : ٢٦٢ ، تفسير روح البيان ٤ : ٢٣٠.
(٢) تفسير الرازي ١٨ : ١١٠.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ١١٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
